وجه الاستدلال: إن الأدلة تدل على أن الشريعة مبنيةٌ على التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، ومن التيسير الأخذ بأي قول شاء واختيار أيسر الأقوال وأسهلها [1] .
يجاب عن هذا الاستدلال: أن بناء الشريعة على التيسير لا يعني اعتبار أي خلاف كما أن اختيار الأسهل يجب ألا يكون على سبيل التشهي والهوى، وإنما وفق قواعد وأصول الشريعة في ذلك، كما قال الشاطبي:"الحنفية السمحة إنما أتى فيها السماحُ مقيدًا بما هو جار على أصولها، وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابتٍ من أصولها [2] ."
الدليل الثاني: إن الاختلاف رحمة، فيجوز الأخذ بأقوال المختلفين لأنها رحمة، ولا إنكار في مسائل الخلاف.
يجاب عنه: إن الاختلاف إنما يكون حجة إذا كان منضبطًا بقواعد الشرع، ولا يلزم من تشريع الخلاف تسويغ الأخذ بأي قول دون ضابط على وجه الهوى والتشهي، كما أنه ليس كل خلاف معتبر حتى يبنى عليه ويعد حجة، فكل خلاف خالفَ نصًا شرعيا صريحا أو إجماعًا فإنه غير معتبر، والمقصود بأن الاختلاف رحمة هو أن مسائل الاجتهاد جعل الله فيها سعة بتوسعة مجال الاجتهاد فيها، وأن الخلاف سائغ في المسالة المختلف فيها، ولا ينكر على من أخذ بقول معتبر بناءً على اجتهاد أو تقليد، ولا يدل على جواز اختيار أحد القولين بحسب ما تشتهيه النفس دون أن يكون الحق فيه [3] .
(1) ينظر: قواطع الأدلة 5/ 144 وصفة الفتوى لابن حمدان ص 80، ونفائس الأصول 9/ 3965, والتقرير والتحبير 3/ 469.
(2) الموافقات 4/ 511.
(3) ينظر جامع بيان العلم وفضله 2/ 906.