الصفحة 16 من 188

فصل: في اغتراره بالحوار الملغوم مع الشيخ بوخبزة

تصريح الشيخ بوخبزة في الحوار المشبوه كان أمرا مدبرا من السائل، وهو خصم مشاغب للشيخ عمر ودعوته، وحواره كان من طلبه وحرصه، وقد صرّح الشيخ بوخبزة في رسالة خاصة أنه اضطر لذلك اضطرارا، وقد رددّنا عليه بما يسّر الله جلا وعلا وفتح في رسالة (النظرات) فارجع إليها، على أن الشيخ أبا أويس لا ينسب لنفسه مشيخة ولا تحديث، وتجنبه للأضواء وبعده عن الدنيا معروف، وللعلم فإن انقطاعه عن التدريس كان من مدة طويلة جدا، فما هي إلا دروس عامة ومجالس خاصة في الذكر والتذكير والمذاكرة، وكان الشيخ عمر أيام حريته -وإلا فهو حر بعقيدته- ممن يحضر هذه المجالس ويزور الشيخ في بيته بين الفينة والأخرى، ويتخلل ذلك مذاكرة واستفادة وأعمال علمية، وهذا ما يعنيه الشيخ عمر بالتتلمذ والاستفادة ولذلك قالت الأخت أم عبد الله أعلاه: (ومن شيوخه الذين استفاد منهم كثيرا .. ) فليس هناك اختصاص.

والتدريس بمعناه المعروف من قراءة المتون على الشيوخ وضبطها وما على ذلك .. لم يظفر به إلا طائفة قليلة من الشيوخ وطلبة العلم، وقد حدثني أحد هؤلاء الشيوخ وهو يناهز من السِّن الستين سنة، أنهم كانوا يدرسون على الشيخ صحيح البخاري و متن ابن أجروم ومتون أُخر، وكان يبرز الفرق الشاسع بين الأمس واليوم، وكيف كان الشيخ حركة لا تهدأ وشعلة لا تنطفأ، وبين عشية وضحاها إذا بالشعلة تنطفئ وإذا بالحركة تهدأ، وأسباب ذلك معروفة، فأهل المغرب وإهمالهم لعلمائهم أمر سارت بذكره الركبان، ومن طالع التاريخ عرف، وقد قيل: (أزهد الناس في العالم أهله) [1] ، علاوة على تقدم الشيخ في السّن وتضييق الدولة عليه.

هذا مجمل الأمر على أن الشيخ بوخبزة ما انتقص الشيخ عمر، بل أثنى عليه وذكره بخير، وشهد له بالأهلية، والسؤال ملغوم من حاسد كاسد أكل الحقد قلبه وشوى الحسد كبده.

(1) - وقد اشتكاهم الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله بقوله مفتخرا:

أنا الشمس في جو العلوم منيرة ... ولكن ذنبي أن مطلعي الغربُ

ولي نحو أكناف العراق صبابة ... ولاغرو أن يستوحش الكَلف الصبُّ

فإن يُنزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسف والكربُ

(جذوة المقتبس 2/ 491،492)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت