ويومئذ قد كان سيدا كريما, قد جاء بخير كثير. فقال مسلمة: ألم يقل الله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى * وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) [سورة الضحى, الآيات: 6 - 7 - 8] ؛ فقال عبد الله: أما اليتيم فقد كان يتيما من أبويه, وأما العَيْلة فكل ما كان بأيدي العرب إلى القِلة [1] .
عبادته واجتهاده:
عُرف عبدُ الله بحماسته لدينه واجتهاده في طاعة ربه, وكانت له في ذلك أحوال فريدة, لا يألفها كثيرٌ ممن سيماهم الاجتهاد والطاعة, فها هو يترك عروسَه الحسيبة النسيبة ليلة دخوله بها؛ ليخلو بربه؛ فتشتكيه لأبيه. والأعجب من ذلك ما أقسم به على نفسه من صيام الدهر وقيام الليل وقراءة القرآن في كل ليلة. وقد بلغ من حبه للعبادة وشغفه بها أن اعتبرها مُتعة شبابه ولذة عمره, قال - رضي الله عنه: أنكحَنِي أبي امرأةً ذات حسب, فكان يتعاهد كَنّتَة [2] ؛ فيسألها عن بعلها [3] ؛ فتقول: نعم الرجل من رجل, لم يطأ لنا فراشا, ولم يفتش لنا كَنَفَا مُذ أتيناه [4] فلما طال ذلك عليه, ذكره للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"الْقِني به". فلقيته بعدُ, فقال:"كيف تصوم"؟ قلت: كل يوم. قال:"وكيف تختم"؟. قلت: كل ليلة. قال:"صُم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر". قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال:"صم ثلاثة أيام في الجمعة". قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال:"أفطر يومين، وصم يوما". قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال:"صم أفضل الصوم صوم داود، صيام يومٍ وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة" [5] . وعنه، قال: جمعت القرآن؛ فقرأت به في كل ليلة، فبلغ ذلك
(1) - تفسير أبي حاتم 10/ 3443 رقم 19377 - دلائل النبوة للبيهقي 7/ 62.
(2) - الكَنَّة: (بِالْفَتْحِ) امرأة الِابْنِ وَجمعُهَا (كَنَائِنُ) . انظر: مختار الصحاح (ص:274, مادة: ك ن ن) تحقيق: يوسف الشيخ محمد. المكتبة العصرية: بيروت، ط 5،1420 ه. ـ
(3) - البعل: الزوج والرب والصاحب، والمقصود هنا الزوج. انظر: مقاييس اللغة لابن فارس 1/ 128.
(4) - الكَنَف: هو الستر والجانب، وأرادت بذلك الكناية عن عدم جماعه لها. (انظر: النهاية في غريب الحديث 4/ 204 - فتح الباري 9/ 96) .
(5) - صحيح البخاري, كتاب: فضائل القرآن, باب: في كم يقرأ القرآن؟ 6/ 196 رقم 5052.