ولا فرق بين النصوص الشرعية ونصوص القوانين الوضعية وعبارات المؤلفين وعقود الناس في عدم الاحتجاج بمفهوم اللقب. فقول القائل: (( دَينْ المتوفَّى يُؤَدَّي من تركته ) )لا يفهم منه أن وصاياه الصحيحة النافذة لا تؤدى من تركته. وقول القائل: (( البيع ينقل الملكية ) )لا يعني أن غير البيع لا ينقل الملكية .. وهكذا.
واتفق الأصوليون على الاحتجاج بمفهوم الوصف والشرط والغاية والعدد في غير النصوص الشرعية، أي في عقود الناس وتصرفاتهم وأقوالهم وعبارات المؤلفين والفقهاء. وعلى هذا، إذا قال الواقف: وقفت داري من بعدي على طلبة العلم في بغداد، دل كلامه بمنطوقه على شمول هؤلاء بوقفه دون غيرهم. وإذا قال الموصي: أوصيت بثلث مالي لأقاربي الفقراء، كانت وصيته لهؤلاء دون أقاربه غير الفقراء.
والسبب في حجية مفهوم المخالفة في أقوال الناس هو أن عرف الناس واصطلاحهم في الفهم والتعبير على هذا الوجه، فإذا لم يعمل بمفهوم المخالفة كان في هذا إهدار لعقودهم وإرادتهم وهذا لايجوز.
واختلف الأصوليون في الاحتجاج بمفهوم الوصف والشرط والغاية والعدد في النصوص الشرعية خاصة. فذهب جمهورهم إلى الاحتجاج به، وذهب الأحناف إلى عدم الاحتجاج به.
وعلى هذا إذا ورد النص الشرعي دالًا على حكم في واقعه، وكان مقيدًا بوصف أو شرط أو حدد بغاية أو عدد فإنه يدل على نقيض حكمه في الواقعة التي عريت من هذه القيود، على رأي الجمهور.
وعند الأحناف لا يكون النص حجة إلا على حكمه في واقعته التي ذكر فيها بهذه القيود، وأما الواقعة التي انتفت عنها هذه القيود فإن النص لا يدل بمفهومه
المخالف على حكمها، وإنما يكون حكمها مسكوتًا عنه ويبحث عنه بأي دليل شرعي، فإذا لم يوجد
دليل أخذ بدليل الاستصحاب، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة.
وحجة الأحناف: أن القيود التي ترد في النصوص الشرعية لها فوائد كثيرة، فإذا لم تظهر لنا هذه الفوائد لا نستطيع أن نجزم أن الفائدة لتلك القيود هي تخصيص
الحكم بما وجد فيه القيد ونفيه عما سواه. والسبب في ذلك: أن مقاصد الشارع كثيرة لا يمكن الإحاطة بها، بخلاف مقاصد البشر إذ يمكن حصرها، ولهذا كان مفهوم المخالفة حجة في أقوالهم وليس بحجة في أقوال الشارع.
واحتجوا أيضًا: بأنه ليس من المطرد في أساليب اللغة العربية ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه، يدل على ذلك أن من قال لغيره: إذا جاءك فلان صباحًا فأكرمه، لا يفهم من ذلك: إذا جاءه مساء لا يكرمه، ولهذا يصح منه السؤال: وإذا جاءني مساء ألا أكرمه؟ وإذا كانت دلالة المنطوق على المسكوت ليست قطعية، فلا يمكن أن يكون النص الشرعي حجة عليه بمجرد احتمال هذه الدلالة،
لأن الشأن في الاحتجاج بالنصوص الشرعية الاحتياط، والاحتياط يقضي بعدم الأخذ بمفهوم المخالفة.
واحتجوا أيضًا بأن كثيرًا من النصوص الشرعية التي دلت على الحكم في الوقائع المقيدة ثبت نفس الحكم في الوقائع التي انتفى عنها القيد كقصر الصلاة بشرط الخوف، فإن القصر ثبت مع انتفائه مما يدل على عدم قطعية الأخذ بمفهوم المخالفة.
وأيضًا: فالملاحظ أن الشارع إذا أراد الأخذ بمفهوم المخالفة فإنه ينص عليه صراحة، كما في قوله تعالى: (( وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطْهَّرْنَ فَآتُوهُنَّ مِنْ حَيْتُ أَمَرَكُمُ الله ) ).
وحجة الجمهور: أن القيود التي ترد في النصوص الشرعية لم ترد عبثًا، وإنما جاءت لفائدة، فإذا لم تكن لها فائدة سوى تخصيص الحكم بما وجد فيه القيد، فإنه يجب نفي الحكم عما لا يوجد فيه القيد، أي الأخذ بمفهوم المخالفة، لئلا يكون ذكر