وقال آخرون: الأمر مشترك بين الإيجاب والندب فقط اشتراكًا لفظيًا، ولابد من مرجح لتعيين واحد منهما.
وقال آخرون: و منهم الغزالي: لا ندري أهو حقيقة في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معًا بالاشتراك، فلا حكم للأمر عند هؤلاء أصلًا بدون القرينة إلا التوقف حتى يتجلى المطلوب بالأمر، لأنه من قبيل المجمل لازدحام المعاني فيه. أما عامة العلماء، فقالوا: إن الأمر حقيقة في واحد من هذه المعاني عينًا من غير اشتراك ولا إجمال، بمعنى: أن الأمر وضع في الأصل للدلالة على معنى واحد من هذه
الندب: مثل قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور:33]
الإباحة: مثل قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة:2]
التهديد: مثل قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت:40]
الارشاد: مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة:282]
التأديب: مثل قوله عليه السلام لعبد الله بن عباس و كان صغيرًا (( كل مما يليك ) )
التعجيز: مثل قوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة:23]
الدعاء: مثل قوله تعالى: {رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [نوح:28]
الامتنان: مثل قوله تعالى: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الانعام:142]
الاكرام: مثل قوله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ} [الحجر:46، ق:34]
الاهانة: مثل قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان:49]
المعاني الثلاثة، فدلالته على هذا المعنى دلالة حقيقية مستمدة من أصل الوضع، وفيما عدا هذا المعنى الواحد مجاز.
واختلف هؤلاء في هذا المعنى الواحد المراد. فقال بعض أصحاب مالك: إنه الإباحة، لأنه لطلب وجود الفعل وأدناه المتيقنة إباحته. وقال جمع - وهو أحد قولي الشافعي - إنه الندب، لأن الامر وضع لطلب الفعل، فلابد من رجحان جانبه على جانب الترك وأدناه الندب، لاستواء الطرفين في الإباحة فلا يصار إليها.
وقال الجمهور: إنه الوجوب، أي إن الأمر المطلق وضع للدلالة على الوجوب، فهو حقيقة فيه مجاز في غيره، فلا يصار إلى غير الوجوب إلا بقرينة، فإن كانت القرينة تدل عل الندب، كان موجب الأمر و مقتضاه الندب. وان كانت القرينة دالة على الإباحة، كان موجب الأمر الإباحة، وهكذا. وهذا القول هو الصحيح، على أساسه يجب أن تفهم النصوص وتستنبط الأحكام، والأدلة على صحة هذا القول كثيرة، نذكر منها ما يأتي (1) :
1 -جاء في القرآن الكريم: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] ، ووجه الدلالة بهذه الآية: أنها مسوقة للتحذير عن مخالفة الأمر بأن تصيب المخالف فتنة أو عذاب أليم، ولا يكون في مخالفة الأمر خوف الفتنة أو العذاب، إلا إذا كان المأمور به واجبًا إذ لا محذور في ترك غير الواجب.
2 -ومن السنة قوله عليه السلام: (( لولا أن أشق على امتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) )وهو دليل الوجوب، لأنه لوكان الأمر للندب لكان السواك مندوبًا، ولما كان في الأمر به مشقة.
(1) (( المسودة في أصول الفقه ) )لابن تيمية ص 5، (( الإحكام ) )لابن حزم ج 3 ص 263، (( شرح مسلم الثبوت ) )ج 1 ص 373 - 374، (( إرشاد الفحول ) )ص 95، (( التلويح ) )ص 153 - 154. (( كشف الأسرار ) )ج 1 ص 106 و ما بعدها.