(( حاشية ) )الإزميري، و الآمدي ج 2 ص 207 - 212 و ما بعدها. (( شرح المنار ) )ص 123 و ما بعدها. و يلاحظ هنا: أن اختلاف العلماء فيما وضع له الأمر حقيقة أدى إلى اختلاف واسع في فهم النصوص، و لو جعلنا القاعدة هي دلالة الامر على الوجوب وضعا لكان الاختلاف يضيق إلى حد كبير و لكن لا يزول، لأن الاخذ بهذه القاعدة لا يعني اهدار القرائن الصارفة عن الوجوب، و حيث أن الأفهام و الأنظار تختلف في الوقوف على القرينة الصارفة عن الوجوب و في اعتبارها و الاعتداد بها و في المعنى الذي تدل عليه فان الاختلاف في تفسير النصوص و استنباط الأحكام يبقى و لكن على نطاق
-استدلال السلف من الصحابة والتابعين بصيغة الأمر على الوجوب إلا لقرينة في وقائع لا تحصى، سواء كان الأمر مصدره النص القرآني أو النص النبوي، و قد شاع فيهم هذا الاستدلال بدون نكير، فدلّ ذلك على إجماعهم على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب وطلب المأمور به على وجه الحتم والإلزام لا الندب.
4 -إن الوجوب هو المتبادر إلى الذهن من الأوامر المجردة عن القرائن الصارفة عنه إلى غيره.
5 -اتفاق أهل اللغة على أن من أراد طلب الفعل مع المنع من تركه فإنه يطلب بصيغة الأمر. فدل ذلك على أن الأمر وضع لطلب الفعل جزمًا وهو الوجوب.
يوضحه أن الأمر من تصاريف الأفعال، وكلها وضعت لمعان مخصوصة كسائر الكلمات من الأسماء والحروف: كرجل و زيد، لأن الغرض من وضع الكلام إفهام المراد للسامع، فإذا كان المقصود إيجاد الفعل من المخاطب عل وجه الحتم و الإلزام، لم يكن ذلك إلا بصيغة الأمر، فدل على أن الأمر وضع في الأصل للدلالة على هذا المعنى، وإفادته للسامع.
6 -وصف أهل اللغة من خالف الأمر بالعصيان، والعصيان اسم ذم، ولا يتأتى في غير الوجوب.
270 -الأمر بعد النهي:
اختلف القائلون بأن الأمر للوجوب، في حكم الأمر بالشيء بعد النهي عنه و تحريمه، فذهب الحنابلة وهو قول مالك وأصحابه وظاهر قول الشافعي: إلى أنه يدل على الإباحة ولا شيء أكثر من الإباحة مستدلين بأنه ورد هكذا في نصوص كثيرة، مثله قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة:2] فقد ورد هذا الأمر (( فَاصْطَادُوا ) )بعد تحريم الاصطياد بقوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} [المائدة:1] و الاتفاق على أن الأمر بالاصطياد يدل على الإباحة فقط، ولا يدل على الوجوب. ومثل قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10] هذا النص ورد بعد تحريم البيع عند النداء لصلاة
الجمعة، و الابتغاء من فضل الله، يعني: الكسب والبيع وسائر التجارات، وهومباح هنا باتفاق العلماء ولو أنه ورد بعد التحريم.
وذهب آخرون ومنهم عامة الحنفية: على أن الأمر بعد الحظر والتحريم يفيد الوجوب، كما لو ورد الأمر بشيء دون سبق تحريمه. واستدل أصحاب هذا القول بأن الأدلة الدالة على الرجوب لا تفرق بين أمر ورد بعد التحريم، وبين أمر غير مسبوق بالتحريم.
أما ما استدل به أصحاب القول الأول فغير وارد، لأن الابتغاء من فضل الله، والاصطياد ونحوهما مما شرع لمصلحتنا، فكان ذلك قرينة صارفة عن الوجوب إلى الإباحة، لأنه لوكان ذلك واجبًا لكان علينا لا لنا و لأَثِمْنَا بتركه، فيعود على موضوعه بالنقض وهذا لا يجوز. فالأمر المجرد عن القرائن يدل عل الوجوب، سواء سبقه نهي أو لم يسبقه، فإذا اقترنت به قرينة انصرف إلى المعنى الذي تدل عليه القرينة، ولا خلاف في هذا.
و ذهب بعض الحنابلة و هو اختيار الكمال بن الهمام من الحنفية: أن الأمر بعد الحظر يرفع الحظر، ويعيد حال الفعل المأمور به إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان مباحًا كان مباحًا، وإن كان واجبًا أو مستحبًا كان كذلك (1) .