الصفحة 6 من 50

فكلام الحنابلة هنا قريب من كلام أصحابنا الإباضية والمالكية والحنفية، وإنما يشكل قول ابن قدامة عند ذكره ما يفطر"مما ينفذ إلى معدته"إذ يفهم منه أن المفطر ما وصل إلى المعدة، أو وضع في مجوف له اتصال بالمعدة إلا أن كلامه بعد ذلك وكلام غيره من الحنابلة يدل على أن الجوف عندهم أعم من ذلك.

هذا وقد استدل الدكتور أحمد بن محمد الخليل في كتابه مفطرات الصيام المعاصرة بعبارة وردت عند بعض الحنابلة وهي قولهم عند تعريف الجوف:"فيه قوة تحيل الغذاء والدواء"على أن المفطر ما وصل إلى المعدة وحدها وعلل ذلك أن الجوف الذي فيه هذه القوة هو المعدة [1] وفي هذا الكلام نظر فإن المعدة ليست وحدها التي فيها قوة تحيل الغذاء أو الدواء، إذ الأمعاء هي الأخرى فيها هذه القوة، بل إن أكثر عمليات امتصاص الغذاء تتم في الأمعاء، كما أنه قد يصل الغذاء إلى الدم مباشرة من غير طريق المعدة، على أن الدكتور نفسه قرر خلاف ذلك في موضع آخر من كتابه المذكور، وذلك عند تعرضه لما يدخل عن طريق الدبر، حيث قال:"... وامتصاص الغذاء يتم معظمه في الأمعاء الدقيقة وقد يمتص في الأمعاء الغليظة الماء وقليل من الأملاح والغلوكوز ..." [2] .

2 -توسع الشافعية كثيرا في تعريف الجوف، قال النووي في المجموع:"ويدل عليه أنهم جعلوا الحلق كالجوف في إبطال الصوم بوصول الواصل إليه، وقال إمام الحرمين: إذا جاوز الشيء الحلقوم أفطر، وعلى الوجهين جميعا باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة مما يفطر الوصول فيه بلا خلاف، حتى لو كان ببطنه أو رأسه مأمومة وهي الآمة فوضع عليها دواء فوصل جوفه أو خريطة دماغه أفطر وإن لم يصل باطن الأمعاء وباطن الخريطة"... إلى أن قال:"وحكى المتولي والرافعي وجها أن الوصول إلى المثانة لا يفطر واختاره القاضي حسين وهو شاذ، وأما الحقنة فتفطر على المذهب وبه قطع المصنف والجمهور، وفيه وجه قال فيه القاضي حسين وهو شاذ وإن كان منقاسا، فعلى المذهب قال أصحابنا: سواء كانت الحقنة قليلة أو كثيرة، وسواء وصلت إلى المعدة أم لا فهي مفطرة بكل حال عندنا، وأما السعوط فإن وصل إلى الدماغ أفطر بلا خلاف، قال أصحابنا: وما جاوز الخيشوم في الاستيعاط فقد حصل إلى حد الباطن وحصل به الفطر ... .."إلى أن قال:"وأما إذا قطر في إحليله شيئا ولم يصل إلى المثانة أو زرق فيه ميلا ففيه ثلاثة أوجه: أصحها يفطر وبه قطع الأكثرون لما ذكره المصنف، والثاني لا، والثالث: إن جاوز الحشفة يفطر وإلا فلا والله أعلم" [3] وقال أيضا:"لو قطر في أذنه ماء أو دهنا أو غيرهما فوصل إلى الدماغ فوجهان: أصحهما يفطر وبه قطع المصنف والجمهور .... والثاني لا يفطر قاله أبو علي والقاضي حسين والفوراني وصححه الغزالي" [4] .

قال الشربيني في مغنى المحتاج في تعريف الجوف:"من باطن أو دماغ"وقد ذكر قبل ذلك بأن مخرج الهاء والهمزة في الحلق يعد في حد الباطن بينما مخرج الخاء والحاء المهملة يعد في حد الظاهر، ثم قال:"باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة مفطر بالاستعاط أو الحقنة أو الوصول من جائفة أو مأمومة لأنه"

(1) - مفطرات الصيام المعاصرة: د. أحمد بن محمد الخليل، نسخة غير مطبوعة، ص 10.

(2) - المرجع السابق نفسه: ص 29.

(3) - المجموع شرح المهذب: النووي، دار الفكر، ج 6، ص 321.

(4) - المجموع شرح المهذب: ج 6، ص 322.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت