الصفحة 13 من 50

لا يقال: بأن المتمضمض والمستنشق لم يقصد دخول شيء إلى فمه وإنما قصد غسل فمه أو أنفه فدخل ذلك خطا، لأننا نقول: بأن المتمضمض والمستنشق يغلب على ظنه أنه لابد من ولوج شيء من الماء المتبقي في فمه وأيضا فالمستعمل لبخاخ الربو لم يقصد دخول شيء إلى معدته أو إلى موضع التفطير، بل قصد دفع المشقة عن نفسه وعلاج رئتيه.

ولا يقال أيضا: بأن الربو من باب المرض واستعمال البخاخ هو من باب الدواء فيقاس على سائر الأدوية.

لأنا نقول: بأنه شتان بين هذا وهذا، فالأدوية الأخرى تلج منها كمية كبيرة بينما الداخل بسبب استعمال البخاخ قليل جدًا حري بأن يعفى عنه قياسًا على ما ورد في الشرع العفو عنه.

وبهذا يتبين قوة هذا الاستدلال.

والحجة الثانية قوية أيضا، ً لأن قاعدة اليقين لا يزول بالشك متفق عليها، أرأيت لو جاء سائل يسأل وقال: شككت أن شيئًا ولج إلى جوفي، فهل يقال بأن صومه ينتقض؟ فهذا مثله، إلا أن يقال بأن هذا تعمد لوضع شيء في مدخل الطعام والشراب مع قصده لتجاوزه الفم حتى ينتفع بذلك بعكس الشاك فهو لم يقصد شيئًا من ذلك أصلا، وهذا الاعتراض قوي، ولكن بقي أن احتمال وصول ذلك إلى المعدة مشكوك فيه فلا يقوى على القول بالنقض، إلا أن يكون ذلك من باب الاحتياط فذلك أمر آخر وليس كلامنا فيه، وهذا كله على تعريف موضع التفطير بأنه المعدة أما من يجعله شاملًا للحلق والبلعوم والمريء فإن دخول ذلك إليهما متيقن، ولكن يبقى الاستدلال بالدليل الأول، أما على القول الذي اختاره الباحث في تعريف موضع التفطير من أنه يشمل المعدة والأمعاء والدم بعد مرحلة الامتصاص فإن بخاخ الربو يصل الدم جزما، لأنه لا يبقى في الرئتين بل يمتص بواسطة الأوردة إلى الدم، فلا تصلح هذه الحجة للاستدلال، وإنما تبقى الحجة الأولى صحيحة صالحة للاستدلال.

ولكن يشكل على هذا حديث أمر المتوضئ بالمبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون صائمًا [1] ، فلو لم يكن الداخل عن طريق الأنف ناقضًا لما كان لأمر الصائم بترك المبالغة معنى.

والجواب عن ذلك: أن الحديث ليس صريحًا في ذلك، بل يمكن حمله على مزيد الاحتياط والتحرز، وليس الكلام في ذلك وإنما الكلام فيما لو ولج شيء عن طريقها هل هو مفطر أم لا؟ والحديث لم يتعرض لذلك، على أن كثيرا من القائلين بالنقض بالداخل من الأنف يترخصون فيما لو دخل شيءٌ إلى موضع التفطير أثناء الوضوء خطأً.

وأما القائلون بأنه - أي بخاخ الربو - مفطر فقد قالوا: بأن البخاخ يصل إلى موضع التفطير عن طريق الفم، وقد تقدم الجواب عن ذلك. فالقول الأول أقوى من حيث الاستدلال.

(1) - رواه الإمام الربيع في آداب الوضوء (93) ، وأبو داود (142) ، والترمذي (788) وأحمد ... (16380) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت