على بكر له صعب، فوقص به فمات، فقال الناس: الشهيد الشهيد، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالًا ينادي: ألا لا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يدخلها عاص» [1] .
القول الثاني:
أنه تحصل له درجة الشهادة لأمور:
1 -أن الشارع قد رتب ثواب الشهادة على صفة معينة كمن قتل في سبيل الله، أو مات بالطاعون، أو مات بالغرق، أو غيرهما، فإذا حصلت للمسلم هذه الصفة حصل له ذلك الثواب الموعود به من الله سبحانه وتعالى، والنصوص الشرعية لم تشترط غير الإسلام في الجملة، كما صرح من قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «الطاعون شهادة لكل مسلم» [2] . فهذا صريح في العموم، فتبين أن النصوص لم تأت بوصف زائد على الإسلام [3] .
2 -وهذا القول رجحه السبكي فقال: «وأما من خرج إلى الجهاد، وكان عاصيًا بخروجه، وذلك إما بعقوق الوالدين أو بدين أو نحوهما، فهو كالمصلي في الدار المغصوبة، والعاصي بالسفر ونحوهما يحسن أن يتردد الفقهاء فيه، بالنسبة إلى كونه من شهداء الآخرة أو لا؟ والأقرب أنه من شهداء الآخرة لقصد إعلاء كلمة الله، وقتاله، ولكنه قارنته معصية من وجه آخر، فلعمله وجهان: وجه طاعة، ووجه معصية. وقد يكفر الله عنه المعصية بسبب الطاعة، وقد يربو وجه الطاعة على وجه المعصية. أما كونه من شهداء الدنيا بالنسبة إلى الغسل والصلاة، فلا ينبغي أن يتردد فيه، بل يكون شهيد قطعًا، والله أعلم» [4] .
وقد ذكر ابن حجر هذين القولين بلفظ الاحتمال، ولم يرجح، وكأنه والله أعلم قد مال إلى القول الثاني، وذلك ظاهر من خلال عرضه لأدلة الفريقين، وجوابه على أدلة القول الأول [5] .
القول الثالث:
التفصيل في المسألة، فالمعصية إذا كانت منفكة عن سبب الشهادة حصلت له الشهادة وإن قارنتها معصية، لأنه لا تلازم بينهما، وأما إن كانت غير منفكة عن سبب الشهادة لم تحصل منزلة الشهادة.
وجعلوا «الأصل في هذا أن كل من مات في سبب معصية فليس بشهيد، وإن مات في معصيته بسبب من أسباب الشهادة فله أجر شهادة، وعليه إثم معصيته» [6] .
(1) أخرجه سعيد بن منصور في سننه: 2/ 194 - 495، عن مجاهد، قال ابن حجر عنه: إسناده صحيح. فتح الباري: 6/ 106.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، رقم 732. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، رقم 1916.
(3) بذل الماعون، ص 145، بتصرف.
(4) قضاء الأرب في أسئلة حلب، ص 434 - 436.
(5) انظر: فتح الباري: 10/ 203، وبذل الماعون، ص 145.
(6) عارضة الأحوذي، لابن العربي: 4/ 255، وانظر: مواهب الجليل: 2/ 248.