فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 201

ومثل للمعصية المنفكة عن سبب الشهادة بمن قاتل على فرس مغصوب فقتل [1] . وأيضًا المسألة التي سبقت في عدم أخذ إذن الوالدين.

ومثل للمعصية غير المنفكة بمن شرق بالخمر فمات [2] ، فإنه مات بسبب الشرقة بالخمر وهي معصية، فالجهة هنا غير منفكة، فإن المحصل لزهوق النفس هو ما به المعصية لا غير، إذ ليس هناك سبب غير الشرقة بالخمر، فلا يكون ما به المعصية محصلًا للشهادة مع اتحاد الجهة [3] .

وهذا القول ذهب إليه بعض أهل العلم [4] .

ويظهر لي -والله أعلم- أنه القول الراجح، لوجاهة أدلته.

ويجاب عن أصحاب القول الأول بما يلي:

1 -أنه لا دلالة في الآية في قوله تعالى: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .. } [الجاثية: 21] . لأنه لا يلزم من حصول درجة الشهادة لمن اجترح السيئات أن يساوي المؤمن الذي عمل الصالحات في المنزلة، فإن درجات الشهداء متفاوتة [5] . ففي الحديث: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ... » [6] .

2 -أما الأحاديث التي استدلوا بها فإنها تؤيد ما رجحناه، لأنّ المعصية غير منفكة عن سبب الشهادة، ففي الحديث إشارة إلى أنه قد أعان على قتل نفسه [7] بركوبه دابة ضعيفة لا تقوى على حمله، وخالف أمره - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن ركب البحر وغلب على ظنه عدم السلامة أنه لا يقال له شهيد، لأنه قد أعان على نفسه [8] .

أما أصحاب القول الثاني، وعن استدلالهم بحديث: «الطاعون شهادة لكل مسلم» . فهذا صحيح لكن ليس على الإطلاق، بل مع استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، التي بينتها الأدلة، كالصبر، والاحتساب، وعدم الفرار، ومن ذلك أن لا تكون الشهادة بسبب معصية مرتبطة بها غير منفكة عنها، ويدل على هذا الأحاديث

(1) انظر: حاشية رد المحتار: 2/ 253، مواهب الجليل: 2/ 248، وعارضة الأحوذي: 4/ 255.

(2) انظر: حاشية رد المحتار: 2/ 253، وهذا على القول بثبوت الشهادة للشريق.

(3) الفتاوى الكبرى الفقهية، لابن حجر الهيتمي: 2/ 15، بتصرف.

(4) منهم ابن العربي في عارضة الأحوذي: 4/ 255، وابن حجر الهيتمي في الفتاوى الكبرى: 2/ 15، وفي تحفة المحتاج: 3/ 166، والرملي في نهاية المحتاج: 2/ 496 - 497، وانظر مواهب الجليل: 2/ 248، وحاشية رد المحتار: 2/ 253.

(5) بذل الماعون، ص 145، بتصرف.

(6) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، رقم 2790.

(7) انظر: فتح الباري: 6/ 106.

(8) انظر: مجموع الفتاوى: 24/ 293.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت