وحيث إن هذه المعصية داخلة في عموم المعاصي فإنني سأرجئ الترجيح فيها إلى المسألة التي بعدها -إن شاء الله تعالى-.
وأفردناها بالبحث هنا لورود بعض الآثار التي تنص عليها، والله تعالى أعلم.
ثالثًا: المعصية والشهادة:
المراد من هذا المانع هو كون الشهادة حصلت بسبب محرم، أو في حال ارتكاب كبيرة.
أما أن يخلو أحد من العيوب، ويتطهر من الذنوب فهذا بعيد، والمعصوم من عصمه الله عز وجل.
وقد أكد ابن حجر هذا المعنى فقال: « ... ونظيره من عصاة المؤمنين إذا قتله الكافر مجاهدًا في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا مقبلًا غير مدبر، فإنه شهيد لا محالة، ولو كانت له ذنوب أخرى لم يتب منها» [1] .
ويدل لهذا ما ثبت من قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» [2] .
ففي هذا الحديث دلالة على أنّ الشهادة تكفر جميع الذنوب والخطايا، أما من أخرج الفاسق من عموم الشهداء لفسقه فقوله غير صحيح، وهذا الحديث حجة عليه [3] .
وكذلك ما رواه عتبة بن عبد السلمي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «القتلى ثلاثة ... ورجل مؤمن قرف [4] على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، محيت ذنوبه وخطاياه، إن السيف محاء الخطايا ... » [5] .
لكن العلماء اختلفوا فيمن قتل أو مات بسبب من أسباب الشهادة وهو متلبس بالمعصية ومباشر لها، هل تصح شهادته الأخروية؟ أو أن شؤم المعصية يحول بين المرء وبين بلوغه هذه المنزلة؟
ولأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره فسنذكر -إن شاء الله- بعض الأمثلة حتى يتم تصور المسألة، وهي أمثلة ذكرها العلماء، ويقاس غيرها عليها، ومن ذلك:
1 -من قاتل على فرس مغصوب فقتل [6] .
2 -من خرج إلى الجهاد وكان عاصيًا بخروجه، وذلك إما بعقوق الوالدين، أو بدين [7] .
3 -الغريق العاصي بركوبه البحر، كمن ركبه لشرب الخمر [8] .
(1) بذل الماعون في فضل الطاعون، لابن حجر، ص 145.
(2) سبق تخريجه.
(3) المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي: 2/ 479.
(4) قرف: يقال: قرف الذنب واقترفه إذا عمله. وقارف الذنب وغيره إذا داناه ولاصقه. النهاية: 4/ 45.
(5) سبق تخريجه.
(6) مواهب الجليل: 2/ 248.
(7) قضاء الأرب في أسئلة حلب، للسبكي، ص 434 - 435.
(8) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج: 3/ 166.