فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 404

كانوا يوفرون لحاهم كما قد عرف عنهم، و مع ذلك أمرنا بمخالفتهم، أما إعفاؤهم لحاهم فهو من بقايا الدين الذي ورثوه عن إبراهيم عليه و على نبيناالصلاة والسلام كما ورثوا عنه الختان أيضًا، فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما [1] أنه قال في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [2] قال:"هي خصال الفطرة" [3] وهذا يرشدها إلى أصل مهم و هو أن مخالفة المشركين تارة تكون في أصل الحكم و تارة فيوصفه، فإذا كانوا يستأصلون لحاهم و شواربهم خالفناهم في أصل ذلك الفعل بإعفاء اللحِّىو قص الشوارب، وإن كانوا يوفرون لحاهم و شواربهم وافقناهم في أصل إعفاء اللحِّى، وخالفناهم في صفة توفير الشوارب بقصها، و أخذ ما طال عن الشفة، كما بينته سنة سيدولد آدم صلى الله عليه و سلم في الآخرة و الأولى.

السادس: وإذاسلمنا أن علة هذا الحكم هو مخالفة المجوس فمخالفة المسلمين للمشركينعلى وجهين:

الوجه الأول: خالفهم لمجرد المخالفة كما خالف الرسول صلى الله عليه و سلم أهل الكتاب في فرقالشعر بعد أن وافقهم أولًا إذ كان يسدل تأليفًا لهم، فلما أصروا على الكفر خالفهم، و مثل ذلك صوم عاشوراء أمر بالمخالفة بصوم يوم قبله أو بعده مخالفةً لهم لا غير.

الوجه الثاني: أن يكون الأمر الذي أمرنا بمخالفتهم فيه مضرًا في ذاتهمنقصًا، و مخالفتهم فيه كمال و مصلحة، وهذا هو الشأن في حرمة حلق اللحية ووجوب إعفائها إذ هدي المجوس فيه نقص و إضرار، و مخالفتهم كمال و صلاح؛ لأن إعفاءاللحية من سنن الأنبياء التي اتفقت

(1) سبق تعريفه، ص 26.

(2) سورة البقرة، آية 124.

(3) البغوي، أبومحمدالحسينبنمسعودبنمحمدبنالفراءالبغويالشافعي (المتوفى: 510 هـ) ، معالمالتنزيلفيتفسيرالقرآن = تفسيرالبغوي، تحقيق عبدالرزاقالمهدي، دارإحياءالتراثالعربي، بيروت، الطبعةالأولى، 1420 هـ، سورة البقرة آية 125، ج 1، ص 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت