والله إن أُمنيات النفس هذه وحب الدنيا .. أخطر من جميع الفتن غيرها، بلا شك. ثم يا إخواني، إن هذا الابتلاء يزيد، ويزداد خطرا، كلما طال السفر، وغابت لوائح النصر والظفر حتى من بعيد. فنحن خرجنا لكي يُقضى على نظام الظلم، وكي تعلو رايات الشريعة من كابل إلى دلهي، إن لم يكن في غضون خمس سنوات فلنقل في غضون ثمان أو عشر سنوات. ولكن عندما لا نرى ذلك الحلم، فحينها لا يثبت إلا قليل من الناس، أقل القليل، القليل من يتابع سفره بثبات. جعلنا الله عز وجل وإياكم منهم. وثبتنا الله تعالى على الحق.
صفات المجاهدين الثابتين عند الابتلاءات
أعزائي،
الذين يقفون أمام هذه الابتلاءات، ويصمدون، هم الذين يؤدون حق الإيمان. إخواني، الإيمان أمانة الله، ولقد أنزل الله هذه الأمانة العظيمة من فوق سبع سماوات هنا على هذه الأرض. الإيمان أمانة ثقيلة جدا ولا يمكن أن يحملها إلا من هو أهل لها. فأود هنا أن أبين تذكيرا صفاتا أخرى لهؤلاء السعداء، أصحاب الصفات العظيمة، الذين يحملون هذه الأمانة.
التفويض
إخواني، هؤلاء السعداء لا ينسبون أي خير صدر منهم، أو أي صفة حميدة اتصفوا بها، أو أي جدارة في الميادين لأنفسهم. لا بألسنتهم، ولا بقلوبهم، ولا بأعمالهم. هم يعتبرون أن خيرهم، وقدراتهم، وإنجازاتهم، وأعمالهم الصغيرة والكبيرة، كل ذلك ليس بقوة سواعدهم، ولا بحول منهم ولا قوة. المؤمنون مثل هؤلاء يؤمنون بـ لا حول ولا قوة إلا بالله، وما توفيقي إلا بالله. يعتقدون أن كل هذه القدرات من نعم الله عليهم، وأنه لا يمكن الاتصاف بأي صفة حميدة ولا ظهور أي كفاءة جديرة بدون توفيق الله. وهل يمكن أن يكون كذلك إلا بتوفيق الله؟ لا، لا يمكن أبدا.
لذا فإن كل فرد منهم يفوض أمره وأمر كل ما يملكه لله وحده. يسلم عجلة القيادة لله تعالى لكي يوجهه الله حيث أراد في طاعته. يكون هدفه الذي نصبه لنفسه طاعة الله. يكون هدفه عبادة الله، أن يسير وفق أحكام الله تعالى. وأما الظروف التي يهيئها الله له، والطرق التي يمهدها له - أيدفعه إلى الجبال؟ أم يسير به على الهضاب؟ - فيؤمن أنها كما أرادها الله. لذا يقول وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ. لا يهمه مدح الناس، بل لا يعجبه مدح الناس، بل إنه يفر من ذلك. لا يفرح عندما يمدحه أحد. هو لا يريد أن يمدحه أحد، ولا يرى الناس بعين تطلب المدح. هو لا يريد أن يرى أحد منه شيئا إلا ربه، كل ما لديه يكون لربه فقط.