بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى الأنبياء والرسل أجمعين.
{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} .
يا ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه أن بلغتنا شهر رمضان، ويا ربنا لك الحمد كما تحب وترضى أن بلغتنا شهر الصيام في ساحات الجهاد، فشهر رمضان من الأزمنة الفاضلة والمباركة عند الله -تبارك وتعالى- اختاره وخصّه بمزيدٍ فضل، فإن من سنة الله في خلقه أن الله -تبارك وتعالى- خلق المخلوقات وفضّل بعضها على بعض، وجعلها متفاوتة فيما بينها بالمنازل والدرجات، فقد خلق الله -تبارك وتعالى- البشر وفضّل بعضهم على بعض وخلق الله -تبارك وتعالى- الملائكة وجعلهم درجات وفاضل فيما بينهم، وخلق الله -تبارك وتعالى- الأماكن وفضّل بعضها على بعض ومَيّز بعضها عن بعض، وكذلك خلق الله -تبارك وتعالى- الأزمنة وفضّل بعض الأزمنة عن غيرها، فهذه من سنة الله -تبارك وتعالى- في خلقه فهو -سبحانه وتعالى- يخلق ما يشاء ويختار، كما قال في كتابه العزيز: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} .
وقد اختار الله -تبارك وتعالى- شهر رمضان من بين الشهور وجعله من الأشهر الفاضلة المباركة عند الله -تبارك وتعالى-، لمِا جعل فيه من القربات والطاعات والنفحات الإيمانية والربانية التي على كل مؤمن أن يغتنمها وأن يعمل فيها من القربات والطاعات لله -تبارك وتعالى-، فقد روى الإمام الطبراني وصححه الإمام الألباني عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده) .
فشهر رمضان شهرٌ فضّله الله -تبارك وتعالى-، وجعله كله من أوله إلى آخره شهر رحمة ومغفرة وعتق من النار، لا كما هو مشهور أنه"أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار"، فهذا حديث ضعيف لا يصح للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد دلّت نصوص الوحي أن رمضان كله من أوله إلى آخره شهر رحمة وشهر مغفرة وشهر عتق من النار.
فرمضان شهر الرحمة من أوله إلى آخره كما دلّت على ذلك نصوص الشريعة، فقد جعل الله -تبارك وتعالى- هذا الشهر الكريم بابًا من أبواب التقوى، وسبيلًا من سُبل التقوى، فقال الله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .