فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 337

السائل:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

نريد أن نسألك يا شيخنا الفاضل عن الحاكمية، وأهميتها وأدلتها وموقف الشرع ممن يحكمون بغير حاكمية الله -عز وجل-؟

الشيخ د. سامي العريدي:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى الأنبياء والرسل أجمعين، رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي

ربِّ اجرِ الحقًّ على قلبي ولساني، اللهم اهدني وسددني، وبعد:

جزاك الله خيرًا أخي الفاضل عن هذا السؤال عن مسألة الحاكمية، التي هي أصل من أصول الدين والتوحيد والاعتقاد، وهذا الأصل إخواني قلَّ من تكلم فيه في زماننا هذا بجلاء ووضوح تام، ويحسُن بنا قبل أن نتكلم عنه أن نُعرِف به، فما هي الحاكمية؟

الحاكمية إخواني هي إفراد الله تبارك و تعالى بالحكم والتشريع، وإفراد شريعته بالتحاكم فلا حكم ولا تحاكم إلا لشريعة الله تبارك وتعالى لا في كبير ولا صغير ولا في كثير ولا في قليل، لا حكم إلا لله وإلا لشرع الله تبارك وتعالى.

وإخواني هذه الحاكمية لها منزلةٌ عظيمةٌ وجليلةٌ في دين الله تبارك وتعالى، ولها أثرٌ عظيم في سعادة البشرية وفي سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، فقد قال الله -تبارك وتعالى-: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} ] طه: 123 - 124.[

وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم على بيان هذه المسألة وعلى تجليتها وتوضيحها في أتمِّ صورة وفي أوضح صورة، فقد قال الله -تبارك و تعالى-: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ]المائدة: 50.[

وقال الله تبارك و تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدا} ]الكهف: 26.[

وقال الله تبارك وتعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ]الشورى: 21.[

وأما من السنة فنذكر حديثًا صحيحًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه-، قال: دخلتُ على رسول الله وهو يقرأ قول الله -تبارك و تعالى-: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ، فقلت: يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم، قال: (أجل؛ ولكن كانوا يحلّون لهم الحرام فيستحلّونه، ويحرّمون عليهم الحلال فيحرّمونه؛ فتلك عبادتهم) . [1]

وأما أقوال أهل العلم [2] فنذكر منها قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، حيث قال:"والإنسان متى حلل الحرام المُجمع عليه أو حرم الحلال المُجمع عليه، أو بدل الشرع المُجمع عليه كان كافرًا باتفاق الفقهاء". [3]

وأحببت أن أذكر هذا الكلام لشيخ الإسلام دون سواه من كلامه مع أن كلامه في هذه المسألة كثير؛ لأنه من أجمع أقواله ومن أشملها، فقد اشتمل قوله هذا على نوعي الشرك في الحاكمية:

النوع الأول: وهو محل اتفاق بين المسلمين؛ وهو شرك الاستحلال فمن استحل أن يحكم بغير ما أنزل الله، أو استحل الحرام أو حرم الحلال هذا كافرٌ باتفاق أهل الملة.

والنوع الثاني: الذي هو محل خلاف؛ وهو شرك الاستبدال، وهو أن نستبدل شرع الله ودين الله ونظام الله بغيره من الأنظمة أو بغيره من الشرائع أو بغيره من القوانين, وهذا كفرٌ عند أهل السنة والجماعة.

كما قال شيخ الإسلام: ''أو استبدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا باتفاق الفقهاء""

وهذا الأمر يُخالف فيه أهل الإرجاء، وهذا الأمر أيضًا قد قرره شيخ المفسرين الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في كتاب ''البداية و النهاية"عندما ذكر جنكيز خان ملك التتار وذكر"الياسق"الذي وضعه للتتار ليتحاكموا إليه دون الكتاب والسنة، وهو أشبه - الياسق - بالقوانين الوضعية في زماننا، الياسق هو القوانين الوضعية في زمن التتار، وهو الآن بمنزلة القوانين الوضعية في زماننا، ماذا قال الحافظ بن كثير؟"

قال -رحمه الله-:"فمن ترك الشرع المُحكم المنزل على محمد بن عبد الله وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟! فقد كفر بإجماع المسلمين"إنتهى كلام ابن كثير -رحمه الله-. [4]

انظر - رحمك الله - ماذا قال، قال: فمن ترك الشرع المُحكم المنزل على محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - وتحاكم إلى الشرائع المنسوخة، تحاكم إلى شريعة موسى التي نزلت عليه، أو تحاكم إلى شريعة عيسى -عليه الصلاة والسلام- التي نزلت عليه"كفر"، إذا تحاكمت إلى الشرائع المنسوخة التي نزلت على الأنبياء بعد بعثة النبي كفرت، فكيف إذا تحاكمت إلى الياسق العصري؟!، أو الياسق الذي وضعه جنكيز خان؟!، فقد كفرت بإجماع المسلمين، هذا كلامه وهذا كلام العلماء وهذا ما قرره أيضًا العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ عندما قال: -واسمعوا ما قال-:"إن من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم -"أ. هـ [5]

هذا من الكفر الأكبر المستبين أي الواضح، وهذا أيضًا ما قرره العلامة المحدث المحقق شيخ المحدثين في زماننا، العلامة أحمد شاكر، -رحمه الله- حيث قال: ''إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس؛ هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة"أ. هـ [6] "

وهذا ما قرره أيضًا شيخ المفسرين في زماننا العلامة الشنقيطي -رحمه الله- حيث قال في أضواء البيان:"والإشراك بالله في حكمه كالإشراك بالله في عبادته، ولا فرق بين ذلك البتة، فمن اتبع تشريعًا غير تشريع الله أو نظامًا غير نظام الله، فهو بذلك مشرك"أ. هـ [7]

ويدل لهذا الكلام - لكلام الإمام الشنقيطي - رحمه الله - قول الله تبارك وتعالى ويدل على صحة هذا الكلام قول الله تبارك و تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم} ] يوسف: 40. [، فالدين القيم، الدين القويم والدين المستقيم هو الذي تكون فيه الشريعة لله والحاكمية لله، الدين المستقيم الذي يرضاه رب العالمين هو الدين الذي تكون فيه الحاكمية لله والتشريع لله والعبودية لله, وأما إن كانت الحاكمية لغير الله وكان التشريع لغير الله وكانت العبوديه لله فهذه هي العلمانية الخبيثة وليست بالدين القويم وليست بالدين القيم، بل هي الدين الخبيث: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم} ؛ فحاكمية لله وعبودية لله ذلك هو الدين القيم، ويشهد لهذا قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الكهف: {ولا يشرك في حكمه أحدا} ] الكهف: 26.[، وفي قراء متواترة -بالنهي-: {ولا تُشْرِك فيِ حُكْمِه أحَدًا}

وفي آخر السورة ماذا قال ربنا؟، {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ] الكهف: 110.[، فنهى في بداية السورة عن الشرك في الحكم، ونهى في نهايتها عن الشرك في العبادة ليبين لنا أن الإشراك بالله في حكمه كالإشراك بالله في عبادته لا فرق بين ذلك البتّة.

يتبين لنا إخواني مما سبق أن الحاكمية أصلٌ أصيل، وركنٌ عظيم من أركان العقيدة والتوحيد، ومن أصول الدين وليس نافلةً من القول بل هي إخواني دعوةُ الأنبياء والرُسل جميعًا، كما قال ربي -تبارك وتعالى-: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ]النحل: 36.[هذه دعوة الأنبياء.

والطاغوت كما عرفه وبينه العلامة ابن القيم: (هو كل ما يُتحاكم إليه دون الكتاب ودون السنة؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه دون كتاب الله - صلى الله عليه وسلم -) أ. هـ [8]

بعد هذا كله إخواني فإننا نقول بقول قاداتنا وأمرائنا، نقول ما قاله أميرنا الدكتور أيمن الظواهري -حفظه الله- في كلمته الصوتية ''الإيمان يصرع الاستكبار"، و أميرنا الجولاني -حفظه الله- في رسالته ''وقابل الأيّام خير من ماضيها"، نقول: إننا لن نقبل بأي نظامٍ لا تكون فيه الحاكمية للشريعة مهما كانت التكاليف، مهما بلغت التكاليف، مهما كانت الأمور؛ فإما حاكمية الشريعة وإما قتلٌ في سبيل الله، نقولها بكلِّ صراحة وبكلِّ وضوح، و يجب أن يقولها كل مجاهدٍ كذلك، نقولها بكلِّ صراحة: إما شريعة وإما شهادة، إما نصرٌ بتحكيم الشريعة وإما قتلٌ في سبيل تحكيم الشريعة، فنحن ما حملنا السلاح إخواني ليزول طاغوتٌ نُصيريٌّ مجرم ليحِلَّ مكانه طاغوتٌ علماني خبيث، ما حملنا السلاح لذلك، وإخواني هذا الأمر يجب أن نسلَّم فيه، وأن يسلّم له كل مسلم، وأن ننقاد له وأن ينقاد له كل مسلم في الظاهر والباطن حتى يتحقق لنا الإيمان كما قال ربنا الرحمن: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} ] النساء: 65.[؛ فلابد من الانقياد التام والتسليم التام لهذا الأمر.

وأختم إخواني بكلامٍ جميلٍ للشهيد عبد الله عزام -رحمه الله وتقبّله في الشهداء- حيث قال: ''والطاغوت هو الطاغوت، عربيًّا كان أو أمريكيًّا أو أفغانيًّا أو روسيًّا؛ فالكفر ملة واحدة، والذين يشرعون بغير ما أنزل الله في الدماء والأعراض كفار"أ. هـ [9] "

هذا كلامه عبد الله عزام تقبله الله في الشهداء، والذين يشرعون بغير ما أنزل الله كفار، والطاغوت هو الطاغوت, والطاغوت هو الطاغوت. وأكتفي بهذا القدر في الإجابة على هذا السؤال والله أعلم.

السائل:

شيخنا الحبيب إن المجاهدين يعيشون في مجتمع هم جزء منه لا ينفكون ن عنه، فلو تكرمت وبينت لنا ما هي الأخلاق التي يجب أن يتمتع بها المجاهد اتجاه هذا المجتمع، وما علاقة هذه الأخلاق بالنصر الموعود -أسأل الله أن يعجل به-؟

الشيخ د. سامي العريدي:

أخي الفاضل، إن الأخلاق الفاضلة والكريمة من أهم صفات المؤمن التقي النقي، المُتبع لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال ربنا -تبارك وتعالى- في وصف نبينا - صلى الله عليه وسلم: {وإنك لعلى خلق عظيم} ، وقالت أمنا عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- في وصف حبيبنا ونبينا - صلى الله عليه وسلم:"كان خُلقه القرآن"، [10] وقال - صلى الله عليه وسلم - فيما صحَّ عنه:"إنما بُعثتُ لأتمم صالحَ الأخلاقِ" [11] ، وقال - صلى الله عليه وسلم - فيما صحَّ عنه ترغيبًا وحثًّا منه - صلى الله عليه وسلم - لأمته للتحلي بمكارم الأخلاق:"إن أحبكم إلي وأقربكم إلي منزلًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني منزلًا يوم القيامة أسوأكم أخلاقا" [12] وقال - صلى الله عليه وسلم:"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنُهُم خُلُقًا". [13]

ومن أجمع وأجمل أقوال أهل العلم في هذا الباب قول العلامة ابن القيّم -ويا حبذا لو حفظناه- يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-:'' الدين كله خُلُق؛ فمن زادَ عليك في الخُلُقِ فقد زاد عليك في الدين"، [14] "

فيجب إخواني على كل مجاهد أن يتحلى وأن يتصف بمكارم الأخلاق وفضائل الأخلاق؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قد اصطفاه واختاره من بين ملايين البشر ليقوم بهذه العبادة العظيمة، بهذه العبادة السامية، بهذه العبادة المرتفعة، بعبادة الجهاد التي هي ذروة سنام الإسلام، فينبغي على المجاهد أن يكون ساميًا في خُلُقه، مُرتفعًا بخُلُقه، عاليًا بخُلُقه و دينه، كتلكَ العبادة، ورحمَ الله من قال:

قد هيّؤوكَ لأمرٍ لو فطنتَ لهُ *** فاربأ بنفسكَ أن ترعى مع الهملِ [15]

وإن من أهم الأخلاق التي ينبغي أن يهتم المجاهد بتحصيلها وأن يتصف بها المجاهد الرفق وحسن التعامل مع المسلمين، وخاصةً مع عوام أهل السنة وخاصةً في هذه البلاد -في بلاد الشّام-.

إخواني: إن النظام النصيري المجرم في هذه البلاد ما ترك وسيلة إلا واستخدمها في إبعاد الناس عن دين الله، وإقصاء الناس عن دين الله -عز وجل-، فقد كان يحبس ولسنواتٍ عديدة إذا وُجِد في بيتِ الأخ كتابٌ من كتب السلف الصالح (كابن القيم، ابن تيمية .. ) أو بلغ به الأمر أنه يحبس ولسنواتٍ طويلة إذا وجد"حصن المسلم"؛ فينبغي أن نرفق بأهل السنة، ينبغي أن نُعَلِم أهل السنة دينهم بأخلاق النبوة كما قال الله -تبارك وتعالى- في وصف من يُحبهم ويحبونه

قال الله -تبارك وتعالى-: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} ] المائدة: 54.[

وقال في وصفِ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} ]الفتح: 29.[، فالرحمة و الذلة على المؤمنين، والشدة والغِلظَة والقوّة على المشركين والكافرين

وقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديثِ الصحيح لما بعث معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن -وهي حقيقة وصية ينبغي أن نتصف بها وأن نتحلى بهذه الوصية إخواني اسمعوا ما هي- قال لهم:"بشِّرَا ولَا تُنفّرَا، يسِّرَا ولَا تُعسّرَا، تطاوَعَا ولا تختَلفَا"، [16]

رسالة من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى كل داعية، وإلى كل مجاهد"بشرا ولا تنفرا يسرا ولا تعسرا فطاوعا ولا تختلفا"أعيد:"بشرا ولا تنفرا يسرا ولا تعسرا تطاوعا ولا تختلفا"

وقال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه لما أرادوا أن يقعوا في الأعرابي الذي بال في المسجد، أعرابي بال في المسجد فأراد الصحابة أن يزجروه وأن يقعوا فيه، فماذا قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال:"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" [17] حديث صحيح.

"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"هكذا نُعامِل من كان بعيدًا أو لا يعلم أحكام الشريعة"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"

وقال - صلى الله عليه وسلم - مخاطبا عائشة ومخاطبا الأمة بها:"عليكِ بالرفق فإن الرفق لم يكن في شيء إلا زانه ولم ينزع من شيء إلا شانه" [18]

وقال - صلى الله عليه وسلم:"من يحرم الرفق يحرم الخير". [19]

وللأخلاق إخواني دور عظيم ودور كبير أخي كما أشرت في تحقيق النصر الموعود والمأمول -بإذن الله، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يكون بأيدينا وعلى أيدينا وعلى دماءنا وأن يكون قريبًا-للأخلاق دور كبير وعظيم في تحقيقه وخاصة إخواني الرفق والرحمة بالضعفاء والمساكين، صحًّ لنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال"أُبغوني في الضعفاء -أي: اطلبوني عند الضعفاء- إنما تنصرون بضعفائكم" [20] ، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم حديث صحيح.

وفي رواية ذكرها الإمام الألباني -رحمه الله- في الصحيحة:"إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بصلاتهم ودعوتهم وإخلاصهم" [21] ، اطلبوا النصر بالرحمة بالضعفاء،"إنما يرحم الله الراحمون" [22] كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما صحَّ عنه

وقال أيضًا فيما صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم:"لا يُقدس الله أمة لا تأخذ لضعيفها من قويها الحق غير متعتع -أي غير متردد-" [23] -لا يقدس الله أمة، لا ينصر الله أمة، لا يقدر الله أمة، لا يرفع الله أمة لا تنصر الضعيف- لا يقدس الله أمة لا تأخذ الحق من القوي للضعيف والضعيف غير متردد في طلبه لحقه

وقال - صلى الله عليه وسلم:"من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". [24]

وقبل أن أنهي الإجابة عن هذا السؤال أخي الكريم أحب أن أشير إلى قول قاصر وخاطئ انتشر بين الدعاة في زماننا هذا وهذا القول أنهم يقولون: إن النصوص في العهد المكي إنما ركزت على أصول الإيمان والتوحيد، هذا قول قاصر وخاطئ من نظر في نصوص العهد المكي يجدها إخواني قد اشتملت أيضًا على أصول الأخلاق والسلوك، أفلا ترى إخواني أن نصوص العهد المكي قد أمرت بالعدل وحرمت الظلم، ألا تراها قد أمرت بالإحسان وحرمت الإساءة، ألا تراها قد أمرت بالصدق وحرمت الكذب،

ألا تراها أمرت بالبر -ببر الوالدين- وحرمت العقوق، ألا تراها، ألا تراها، ألا تراها .. ؟

ترى أنها اشتملت أيضًا على أصول السلوك والأخلاق؛ فأصول السلوك والأخلاق هي مفتاح القلوب، هي مفتاح القلوب للبشر حسن الخلق وحسن السلوك، فيا إخواني ينبغي أن نتصف بحسن الخلق كما قال الله -تبارك وتعالى-: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} ] آل عمران: 159.[، وجزاك الله خيرًا.

السائل:

شيخنا الحبيب -حفظكم الله وأمتع بكم ونفع بكم-، شيخنا كما تعلمون أن الفصائل المقاتلة على أرض الواقع تمتلك معدات وتقنيات وهذه المعدات يعود نفعها على المجاهدين وعلى الجهاد فلو تكرمت بكلمة بسيطة عن واجب المجاهد نحو هذه التقنيات والمعدات، جزاكم الله خيرًا.

الشيخ د. سامي العريدي:

يجب على كل مجاهد إخواني أن يحافظ على سلاح ومقتنيات وأموال الجهاد والمجاهدين؛ فإن هذا الأمر يندرج تحت باب حفظ الأمانة، وحفظ المال العام الذي هو بمنزلة مال اليتم، فقد قال الله -تبارك وتعالى-: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} ]الأنفال: 27.[

وكما قال الشيخ الشهيد -نحسبه والله حسيبه- أبو عمر السيف -تقبله الله- في كتاب (السياسة الشريعة) :"ومن الأمانات المال العام؛ فيجب على المجاهدين أنا يحافظوا على العام وأن يتجنبوا التقصير والتفريط والإساءة إليه" [25] ، لذلك إخواني وجدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - حذرنا أشد التحذير من الخوض في المال العام وفي مال الله بغير حق كما صحَّ لنا في الصحيح في البخاري، عن خولة الأنصارية -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق لهم النار يوم القيامة" [26]

الله أكبر! هذا السلاح، هذه السيارات، هذه الأموال، هي مال الله"بغير حق لهم النار"، وأنتم يا إخواني تعلمون كم يتعب المجاهدون حتى يتحصلون عليها مع قلة الموارد، وخاصة على الفصائل السلفية الجهادية المقاتلة سلاحها عزيز، ومالها عزيز، لقلته وقلة موارده، فيجب علينا أن نحافظ عليه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الله سائل كل عبد عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيع" [27]

لذلك إخواني وجدنا كثيرًا من السلف الصالح وعلى رأسهم عمر -رضي الله عن عمر- يقول:"إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة مال اليتيم"، [28] كان عمر يتعامل مع مال الله، مع المال العام كما يتعامل مع مال اليتيم وكيف نتعامل مع مال اليتيم؟ هل نُسيء إلى مال اليتيم؟ هل نأكل مال اليتيم بغير حق؟ هل نقصر في حفظ مال اليتيم؟

فيجب علينا إخواني أن نعامل سلاح ومقتنيات وأموال الجهاد والمجاهدين كما نعامل مال اليتيم، ولنا ورقة إخواني كتبناها قبل فترة من الزمن ونشرناها في مقرات الجبهة في هذه المحافظة تتكلم عن هذه المسألة، ولعلكم إذا عدتم إليها تجدون فيها الفائدة -بإذن الله عز وجل-، وجزاكم الله خيرًا.

السائل:

شيخنا الكريم -حفظكم الله وأمتع بكم-, نريد أن نسألك عن الوفاء بالبيعة، هل هو أمر واجب أم أن للإنسان أن ينقض البيعة متى شاء بدون أي سبب؟ وهل إذا أعطى المجاهد البيعة عليه أن يسمع ويطيع أم ماذا؟

الشيخ د. سامي العريدي:

أخي الفاضل إن الوفاء بالبيعة أمر واجب لا تجوز مخالفته، وقد قال الله -تبارك وتعالى: {وبعهد الله أوفوا} ] الأنعام: 152.[

وقال الله -تبارك وتعالى-: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} ]الإسراء: 34.[،

وقال الله -تبارك وتعالى-: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} ]المؤمنين: 32. [؛ فالوفاء بالبيعة يا إخواني أمر واجب يجب على كل مجاهد بايع أميرًا أو جماعةً بيعةً شرعية على الجهاد وعلى السمع والطاعة حتى تحكيم الشريعة أن يفي بتلك البيعة، وأن يفي بذلك العهد الذي قطعه على نفسه حتى لا تصبح البيعة إخواني أمرًا هيّنًا وألعوبة بيد من لا صبر له على السمع والطاعة والالتزام بأمر الجماعة، فقد رأينا ووجدنا إخواني كثيرًا من الشباب -أصلحنا الله وإياهم- ممن لا صبر له على السمع والطاعة والالتزام بأمر الجماعة إذا أُمِر بالأمر يخالف هواه وشهوته نقض البيعة وانتقل من جماعة إلى جماعة وأكثر من جماعة، وحتى لا تصبح البيعة ألعوبة إخواني وحتى ينضبط الأمر لابد أن نفي بكل بيعة شرعية، وأن لا ننقض البيعة إلا بسبب شرعي يقره أهل العلم

(1) قال الألباني: حسن بجموع الطرق , السلسلة الصحيحة برقم: 3293

(2) ليس بالنص الحرفي كما موجود في الكتب بل قريب منه.

(3) مجموع الفتاوى - (3/ 267)

(4) البداية والنهاية (17/ 163) ط دار هجر , تحقيق: عبدالله التركي

(5) الدرر السنية في الأجوبة النجدية - (16/ 206) , الطبعة الاولى

(6) عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير - (4/ 174) , ط: التراث الإسلامي - القاهرة

(7) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير - (5/ 441) , ط: دار عالم الفوائد , تحقيق: خالد بن عثمان السبت

(8) إعلام الموقعين عن رب العالمين - (2/ 92) , ط: دار ابن الجوزي , تحقيق: مشهور أبو عبيدة

(9) أنظر: مفهوم الحاكمية في فكر الشهيد عبد الله عزام - ص 1

(10) صححهُ الألباني في صحيح الجامع برقم: 4811

(11) صححهُ الألباني في صحيح الجامع برقم: 2349

(12) حسنهُ الألباني في تخريج مشكاة المصابيح , برقم: 4726

(13) صححهُ الألباني في الإيمان برقم: 17

(14) مدارج السالكين - ص 2188 , ط: دار الصميعي - الرياض , تحقيق: مجموعة مشايخ من أساتذة العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية الشريعة بجامعة القصيم

(15) شرح لامية العجم للطُّغرائي للإمام السيوطي - ص 17 , ط: مكتبة الآداب - القاهرة , تدقيق: أحمد علي حسن

(16) صحيح البخاري , كتاب الجهاد والسير , باب"ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامة ) برقم: 3038"

(17) صححهُ الألباني في صحيح: صحيح الترمذي برقم: 147

(18) صححهُ الألباني في صحيح الجامع برقم: 4041

(19) صحيح مسلم , كتاب البر والصلة والآداب , باب"فضل الرفق"برقم: 2592

(20) رواه الترمذي في سننه برقم: 1702 وقال: (حسن صحيح)

(21) صححهُ الألباني في صحيح النسائي برقم: 3178

(22) حسنهُ الألباني بلفظ قريب في صحيح الجامع برقم: 2381

(23) صححهُ الألباني لغيره في صحيح الترغيب برقم: 2191

(24) صحيح مسلم , كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار , باب"فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر"برقم: 2699

(25) السياسة الشرعية - ص 84 , الطبعة الثانية

(26) صحيح البخاري , كتاب فرض الخمس , باب"قول الله تعالى {فأن لله خمسه وللرسول} برقم: 3118"

(27) صححهُ الألباني في غاية المرام برقم: 271

(28) تفسير ابن كثير - (3/ 357) , ط: مؤسسة قرطبة - الجيزة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت