أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} ، أمّا بعد:
فإنّ أيّام العيد من أيّام الفرح والسرور للطّائعين و العابدين لما منّ الله تبارك وتعالى عليهم من طاعته والتقرّب إليه في يوم العيد وفي مواسم الخيرات والطاعات والقربات. قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فيما صحّ عنه:"للصائمِ فرحتانِ: فرحةٌ عند فطرِه"، وهذا يوم الفطر،"وفرحةٌ عند لقاءِ ربِّهِ" (رواه مسلم) .
وإنّ من أشدّ النّاس فرحًا وسرورًا هم المجاهدون، إنّ من أشدّ النّاس فرحًا وسرورًا في مواسم الطاعات هم المجاهدون، ولا نبالغ إن قلنا إنّ أشدّ النّاس فرحًا وسرورًا هم المجاهدون؛ لأنّ الله تبارك و تعالى قد منّ عليهم أنّهم شاركوا الصائمين الصيام والقائمين القيام و التالين لكتاب الله التلاوة وامتازوا عنهم وزادوا عليهم بما منّ الله عليهم بعبادة الجهاد. الجهاد الذي هو عبادة الأنبياء و الأتقياء والأنقياء، الجهاد الذي هو عبادة الاختيار والاصطفاء والاجتباء. قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فيما صحّ عنه:"والذِي نفسُ محمدٍ بِيَدِهِ! لولا أن أشُقَّ على المؤمنِينَ ما قَعَدتُّ خلفَ سَرِيَّةٍ تغزو في سبيلِ اللهِ" (رواه مسلم) . فهذه عبادة الأنبياء وهذه عبادة الأصفياء والأنقياء وأهل الاجتباء. {وَلَوْ أَرَ ادُوا الْخُرُ وجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَاكِن كَرِ هَ اللَّهُ} ، كره لهؤلاء ورضي للمجاهدين، رفض لهؤلاء أن ينفروا في سبيل الله واصطفى أهل الجهاد. هذه عبادة الاصطفاء، هذه عبادة الاختيار. اختار الله تبارك وتعالى المجاهدين، وحباهم ومنّ عليهم بنعمة الجهاد. فهنيئًا لكم أيّها المجاهدون ما حباكم الله به من نعمة الجهاد.
والمجاهدون أكثر النّاس فرحًا وسرورًا في مواسم الطاعات لأنّ الله تبارك وتعالى منّ عليهم بالجهاد الذي فيه النجاة من العذاب و الخزي في الدنيا والآخرة. قال الله تبارك وتعالى: {إِلَّا تَنفِرُ وا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التوبة:39] ، وقال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فيما صحّ عنه:"مَن لم يَغزُ أو يجَهِّزْ غازيًا أو يَخلُفْ غازيًا في أهلِهِ بخيرٍ أصابَهُ اللَّهُ بقارِعةٍ قبلَ يومِ القيامةِ" (رواه أبو داود) . وكأنّي بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يقول لأمّته: كن يا عبد الله مجاهدًا أو مُعينًا للمجاهدين ولا تكن سوى ذلك فتهلك، لاتكن سوى ذلك فتخسر، لا تكن سوى ذلك فتندم، فإنّ القارعة ستحلّ عليك.