خامسا: إن الخلاف بين العلماء والجماعات والمذاهب في فهم نصوص الوحي وأحكام الشرع مع الاتفاق في الأصول لا ينبغي أن يورث الغل والبغض والتدابر , فإن السلف وقع بينهم الخلاف في كثير من المسائل والأحكام ومع ذلك أقاموا الجماعة والجهاد والدعوة ولم يؤثر ذلك في وحدتهم ولم يؤثم أحدهم الآخر, وفي ذلك يقول شيخ الإسلام:
(وأما الاختلاف في"الأحكام"فأكثر من أن ينضبط ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بني قريظة:(لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدركتهم العصر في الطريق فقال قوم: لا نصلي إلا في بني قريظة وفاتتهم العصر. وقال قوم: لم يرد منا تأخير الصلاة فصلوا في الطريق فلم يعب واحدا من الطائفتين) . أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر. وهذا وإن كان في الأحكام فما لم يكن من الأصول المهمة فهو ملحق بالأحكام). [1]
فلا بد من ضبط التعامل مع الخلاف وفق منهج السلف والقرون الفاضلة والذي من أهم معالمه ردّ النزاع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [2] وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين. نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع). [3]
سادسا: إن مما هو معلوم أن المنتسبين للعلم ليسوا على درجة واحدة ولا وصف واحد ولا طبقة واحدة فهم أصناف وأقسام فمنهم من قسمهم إلى ثلاثة أصناف:
-عالم دولة: وهو الذي ينظر ما تشتهيه الدولة، فيلوي أعناق النصوص إلى ما تريد.
(1) مجموع الفتاوى - (14/ 96) .
(2) سورة النساء، 59.
(3) مجموع الفتاوى - (14/ 95) .