وقبل أن أنهي الكلام عن هذا الأمر أحب أن أشيرَ إلى مسألةٍ هامةٍ في هذا الأمرِ وهذه المسألةُ هي أن السلف الصالح -رضي الله عنهم وأرضاهم- مع قيامهم بجميع جوانب الدين كانوا يعطون كلَّ جانب من جوانب الدين بحسب الأهمية والمكانة التي له بين مسائل وأحكام الدين.
فمسائلُ الدين وأحكامُ الدين ليست على درجةٍ واحدةٍ وفي منزلةٍ واحدةٍ وكانوا يعطون كل جانب من الجوانب بقدر أثرِه ودورهِ في الواقع الذي يعيشون فيه وقدر الانحراف في الواقع الذي يعيشون فيه، فهم في زمن الردة ومنع الزكاة كان الجهد الأكبر منصبًّا على قتال مانعي الزكاة وعلى قتال المرتدين، وكذلك في زمن فتنة خلق القرآن كان الجهد الأكبر منصبًّا على الوقوف في وجه هذه الفتنة، وكذلك إذا صال الكفار على دين أهل الإسلام وعلى المسلمين كان الجهد الأكبر ينصبُّ على الوقوف في وجه هذا العدو الصائل، وهكذا يجبُ أن يكونَ أتباع السلف في زمانِنا هذا يجب أن يهتموا وأن يركزوا على القضايا الكبرى مع الإحاطة والقيام بجميع جوانب الدين كما كان السلف كانوا يركزون ويعطون الأهميةَ للمسائل العظمى والقضايا الكبرى مع القيام بجميع مسائل الدين، وهكذا نحنُ اليوم ينبغي أن نركز على القضايا وعلى المسائل الكبرى والتي وقع فيها الانحرافُ كقضيةِ الحاكميةِ وتحكيمِ الشريعةِ والوقوفِ في وجه تحكيمِ القوانينِ الوضعيةِ الوضيعةِ والوقوفِ في وجهِ العدوِّ الصائلِ على دينِ أهلِ الإسلامِ وعلى بلادِ المسلمين وعلى بيانِ المسائلِ وبيانِ مفاهيمِ الدينِ ومفهومِ العبادةِ ومفهومِ الدين.
فإننا إن لم نفعلْ ذلك يكونُ حالُنا كحالِ الطبيبِ الذي جاءَه مريضٌ يشتكي له من الزكام والسرطانِ فأخذ يعالجُه ويجتهدُ في علاجه من الزكام وأهملَ علاجَ السرطانِ حتى استشرى وانتشر في الجسدِ كلِّه وهكذا الذين يعالجون الانحرافات اليسيرة ويتركون سرطانَ القوانينَ الوضعية، ويتركون سرطانَ العدوِّ الصائلِ على الدين والعِرض، ويتركون سرطانَ تحريف مفهوم الدين ومفهوم العبادة، يتركون هذه السرطانات تنتشرُ في جسد الأمة حتى توشكَ أن تقضيَ عليها، فإخواني، منهج السلف الصالح منهجٌ شاملٌ كاملٌ يقومُ بجميع جوانب الدين مع العملِ والمراعاة لفقه الأولويات، هذا هو الأمر الثاني.
3.وأما الأمر الثالث فهو"الدَّيْمومة"فيمتاز منهج السلف الصالح عن غيرهِ من المناهج بأنهُ منهجٌ مسندٌ متصلٌ بلا انقطاع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى الوحي فهو ينتقلُ من طبقةٍ إلى طبقةٍ حتى يصلَ إلى الصحابة -رضي الله عنهم- وإلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلى الوحي فلا تكاد تجدُ أصلًا أو اعتقادًا من أصول أو اعتقاد السلف إلا ولهُ