ومن الجميع كما قال ابن القيم -رحمه الله- قال: (كلامُ السلفِ قليلٌ كثيرُ البركة، وكلامُ المتأخرين كثيرٌ قليلُ البركة) [1] من نظر في كلام السلف رأى صدقَ كلامِ ابن القيم فكلامُهم قليلٌ كثيرُ البركة، كثيرُ الخير، كثيرُ المعاني، وكلام المتأخرين كثيرٌ قليلُ الخير وقليلُ البركة.
وقال ابن رجب -رحمه الله- في هذا الباب: (من علم قدرَ السلف علمَ أن سكوتَهم عما سكتوا عنه من ضروبِ الكلام وفنونِ الجدالِ والخصامِ لم يكن عجزًا ولا ضعفًا ولا جهلًا وإنما كان ورعًا وخشيةً وتقوى، فمن سلك سبيلَهم فقد اهتدى) [2] فهذا الأمر الأول من هذا المعلم.
2.وأما الأمرُ الثاني فهو"الشمولُ"، فيمتازُ منهجُ السلف الصالح عن غيرهِ من المناهج بالشمول والإحاطة والقيامِ بجميع جوانب الدين، فالسلف الصالح لم يتركوا بابًا من أبواب الدين إلا وقاموا فيه، فهم لم يأخذوا بجانبٍ ويتركوا جانبًا بل قاموا بجوانب الدين كلِّها كما أمرهم بذلك ربُّنا تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208] .
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: (يأمر الله تبارك وتعالى عبادَه المؤمنين أن يلتزموا وأن يقوموا بجميع ما أمرهم به وأن يجتنبوا جميعَ ما نهاهم عنه قدر ما استطاعوا) . [3]
وقال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] .
وقال أنس -رضي الله عنه وأرضاه-: (إنكم لتعملون أعمالًا، هي أدقُّ في أعينِكم منَ الشعرِ، إن كنا لنعدُّها على عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من الموبقاتِ) [4]
وقال سلمان الفارسي -رضي الله عنه-: (قال لي المشركون علمكم رسولُكم كلَّ شيءٍ) حتى ذكروا له قضاءَ الحاجة قال: (نعم علمنا - صلى الله عليه وسلم - كل شيء حتى كيف نقضي الحاجة) [5] فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ترك أصحابَه على منهج شامل وعلى منهج كامل وهم قد قاموا فيه كاملًا وشاملًا كما أمرهم الله تبارك وتعالى.
(1) أنظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين - ص 458 , ط: دار الصميعي للنشر والتوزيع , تحقيق: د. ناصر السعوي ود. صالح التويجري ود. علي القرعاوي ود. خالد الغنيم ود. محمد الخضيري
(2) بيان فضل علم السلف على علم الخلف - ص 87 - 88 , ط: دار البشار الإسلامية , تحقيق: محمد بن ناصر العجمي
(3) تفسير القرآن العظيم - (1/ 565) ط: دار طيبة , تحقيق: سامي بن محمد السلامة
(4) أخرجه البخاري في صحيحه , كتاب الرقاق, باب"ما يتقي من محفزات الذنوب"برقم: 6492
(5) أنظر: صحيح مسلم , كتاب الطهارة , باب"الاستطابة"برقم 262