فلا يكفي أن يقاتل الرجل حمية لأهل السنة والجماعة، أو نخوة ومروءة وشجاعة، ثم يندس تحت راية الطواغيت، ويجعل دمائه زيتًا لهم ووقودًا، وجسده وتدًا لهم وعمودًا، ليثبت حكمهم بغير شريعة الرحمن، وكفرهم بالسنة والقرآن!
قال رجل لسعد رضي الله عنه: ألم يقل الله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) ؟
فقال سعد:"قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة!". [أخرجه مسلم] .
والفتنة في الآية هي الشرك، قال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس:"الفتنة: الشرك". اهـ
بل قد نقل الماوردي الإجماع على ذلك فقال:"يعني بالفتنة: الكفر في قول الجميع".اهـ [النكت والعيون 1/ 251] .
قال أبو همام: والشرك المراد في هذه الآية: هو شرك الحكم والقضاء، لا شرك النسك والعبادة، بدليل قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29] .
فالله سبحانه وتعالى أمرنا في الآية الأولى -محل البحث- أن نقاتل حتى يزول الشرك كله، قال الإمام القرطبي:" (حتى لا تكونَ فتنة) أي كفر؛ فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر".اهـ [مختصر تفسير القرطبي 1/ 213] .
وفي الآية الثانية؛ أمرنا سبحانه وتعالى أن نقاتل حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وكلام الله لا يتعارض، ولا يناقض بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا.
فنجمع بين الآيتين الكريمتين؛ بأن الأولى في شرك الحكم والقضاء، والثانية في شرك النسك والعبادة، فالذمي الذي نتوقف عن قتاله مشرك في النسك والعبادة، لكنه نازل تحت حكم الله تعالى، وهذا شرط الذمة، كما قال تعالى: (عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) أي تحت أحكام الإسلام. قال الإمام الباجي رحمه الله:"إذا ثبت وجوب الجهاد فإن غايته أن يدخل الكفار في الإسلام أو يدخلوا في الذمة بأداء الجزية وجريان أحكام الإسلام عليهم والأصل في ذلك"