وقد يحاول هذا الصنف من العلمانيين أن يكون لطيفا في عبارته: فيقول: إن الدين علاقة بين الإنسان وربه، ولايعدو أن يكون مسألة شخصية.
وقد يحاول بعضهم أن يتحذلق قليلا فيقول: نحن لانريد أن نفسد الدين بإدخاله في السياسة أو الخلافات الحزبيّة والثقافيّة والفكريّة، ويقول في صورة الناصح الأمين: دعوا الدين في المسجد فهناك حيث يُحترم ويُوقَّر، ولاتلطّخوه بالدنيا الدنيئة، فالدين للآخرة.
وهذا القول حقيقته هدم لدين الإسلام وشتم قبيح له، وطعن خبيث فيه، لأنه في حقيقته رمي للدين بأنه قاصر لايصلح لتسيير حياة البشر، وما مَثَل هذا القول الماكر إلاّ كمثل من يشير على ملك من الملوك، بأن لايُقحم نفسه في التصرف في أمور مملكته بشيء.
ويقول له في كيد خفي: إن تدخلك يفسد هيبتك وجلالك، فدع أُمور المملكة لهؤلاء المتصارعين على الدنيا، وارتفع أنت في عرشك عن نزاعاتهم فهي لاتليق بك، فكأنه في حقيقة الأمر يقول للملك: تنح وتنازل عن سلطانك وأمرك ونهيك وملكك، وكن كالصورة الجامدة التي لاحراك فيها، والتمثال الأصم الأبكم، وإنما يقول ذلك لكي يُفسَح السبيل فيتسنَّى لغير الملك أن يستحوذ على قوِّة السلطان الحقيقيِّة، قوة الأمر والنهي والحكم والفصل في شئون المُلك والسلطان، ثم يصير أمر الملك إمّا إلى أن يكون اسما بلا حقيقة، أو يسلب منه الملك سلبا تامّا، فلايبقى معه منه اسم ولارسم، فيهوى إلى مرتبة العبيد والسوقة، بعد الملك والعز والسلطان.
ومثل هذا الكيد الخبيث يريده هذا الصنف من العلمانيّين بالدين، عندما يزعمون أنهم عليه مشفقون، فيطالبون بتنحيته عن مجالات الحياة، وهذا الأسلوب خطير جدا، لانهم يلبسون به الحق بالباطل، ولهذا يستعمله العلمانيّون كثيرا لإضلال الناس والتلبيس عليهم.
الاحتمال الثالث: أن يقول العلمانيّ: إن الدين كله حق، والاحتكام إليه واجب، ولكن أين الذين يطبقونه كما أنزل، ثم يأخذ بعد ذلك بالطعن في حملة الدين واتهامهم بأنهم يستغلون الدين لمآربهم الشخصية، ويسميهم (متأسلمون) أو (أهل الإسلام السياسي) أو (المتاجرون بالدين) .. الخ وهويقصد الطعن في الدين نفسه، ولكن بطريقة ملتوية خبيثة، لأنه يريد أن يقول: لانستطيع تطبيق دين الإسلام والعمل به في كل شئون الحياة، لانه لايوثق بأحد يمكنه تطبيقه أبدًا، فإذًا النتيجة واحدة، وهي أنه لايمكن للناس بحال من الأحوال تحكيم الشريعة الإسلامية في شئون حياتهم!!!
وكأن هذا الصنف من العلمانيين يحاول القول عن دين الإسلام، إنه دين فاشل غير واقعي