الصفحة 6 من 47

بيَّنا معنى العلمانية في أصل منشئها، وقد نقلت كذلك بهذا المعنى إلى بلاد الإسلام، مع الإستعمار الاوربيِّ الذي هيمن على البلاد الإسلاميّة إثر سقوط الدولة العثمانيّة، وقد تحمّل الدعوة إلى العلمانيّة بعض المثقفين من العرب وغيرهم في بلاد الإسلام، ودعوا إلى تطبيق نظريّاتها حرفيّا، كما دعوا إلى تبنِّي نظرة العلمانيّة لدين الإسلام، كما كانت تنظر للدين النصرانيِّ المحرف في أوربا سواء بسواء، ذلك أن العلمانيّة لاتفرّق بين الأديان في أنه يتحتَّم فصل كلِّ منها عن شئون الحياة العامَّة السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والتشريعيَّة .. الخ.

وذلك أنَّه ليس في الفكر العلمانيّ تمييز بين الأديان، فلايفرّق بين دين أصله من إنزال الله تعالى، وآخر من وضع البشر، كما لا ترى العلمانيّة أي فرق في الأديان التي أنزلها الله، فلافرق لديها بين دين محرف وآخر محفوظ، بل الأديان كلها سواء، يجب أن تعامل معاملة واحدة، على أساس الأركان الثلاثة السابقة.

وقد انتشرت العلمانية في بلادنا الاسلاميِّة، حتى وصلت الجزيرة العربيِّة مهد الإسلام، ومهبط الوحي، ودخلت الكويت أول ما دخلت مع ابتعاث الطلبة في الخمسينات الميلاديِّة للدراسة في الخارج، فرجع بعضهم مشبَّعا بالأفكار العلمانية، فتبنَّتها شخصيَّات بارزة، وأحزاب وصحف ومؤسسات كثيرة.

العلمانية قد لاتنصب العداء للدين علانية، بل تكيد له كيدًا خفيًا:

العلمانيّة ليست بالضرورة معادية للدين، بل إنَّها أحيانا تفضل توظيف الدين والإستفادة منه، ولكن مع ضرورة حصره في ناحية من نواحي الحياة، ولهذا قد لاتجد العلمانيّ يطعن في الدين، بل قد يمدحه ويمجده، بل قد يقول إنه يجب المحافظة على الدين.

ولكنك إذا سألته هل أنزل الله تعالى دين الإسلام ليكون هاديًا لنا في كل أمور حياتنا، فلايجوز لنا أن نرفض شيئًا منه، فإن جوابه لايخرج عن ثلاثة احتمالات:

الاول: أن يفر من الجواب إذا خشي على نفسه من التصريح بمنهجه العلمانيّ خوفا من ردة فعل الناس، كما يفعل السياسيّون عند خوفهم من خسارة الأصوات الإنتخابيّة.

الثاني: أن يقول بوضوح وصراحة أن الدين يجب أن نعزله عن السياسة والثقافة والفكر، وعن حياتنا الإجتماعيّة، كما أنه لايصح أن نجعل الدين هو الحكم على كل شيء في الحياة بالصواب أو الخطأ، وهنا قد يقول العلمانيّ أن الدين له أن يحكم في أمور الروح ونحوها من الأمور الغيبيّة، فكأنَّه ينزل الدين منزلة الكهانة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت