وهؤلاء اليهود فضَّلوا الإيمان بالجبت و الطاغوت على الإيمان بما أنزل الله تعالى، كما فضل العلمانيُّون الإيمان بأهواءهم وعقولهم على الإيمان بما أنزل الله تعالى، فجعلوا الدين أجزاء على وفق أهواءهم، فكفروا ببعض وآمنوا ببعض، فكفروا على سبيل المثال بالحدود الشرعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الربا، وفرض الحجاب على النساء، وغيرها من أحكام الدين، وزعموا أنهم مؤمنون، لكنَّ الله تعالى كذَّبهم.
ثم أخبر سبحانه في هذه الآية أنهم يعتقدون أن منهج الذين كفروا أهدى من منهج المؤمنين، كما قال تعالى (ويقولُونَ للّذينَ كفروُا هؤلاءِ أَهدى مِنَ الذينَ آمنوا سبيلًا) ، وكذلك العلمانيُّون يعتقدونَ أنّ المنهج العلمانيُّ والليبراليُّ، أهدى مما أنزل الله تعالى، ولولا ذلك ما اتبعوه معرضين عن أحكام الله تعالى.
4 وقال سبحانه (قل آمنّا باللهِ وماأُنزِلَ عَلَينا وما أُنزِلَ على إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط وما أُوتِيَ موُسى وعِيسى والنبيُّون مِن رَبِّهِم لانفرِّقُ بيَن أَحَدٍ مِنهُمُ ونَحنُ لَهُ مُسلِموُن، ومَن يَبتغِ غيَر الإسلامِ دينًا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وهُوَ في الآخرِةِ مِن الخاسِرِين) آل عمران 85، فالإسلام هو الإيمان بكلِّ ما أنزَل اللهُ تعالى، واتِّباع كلِّ أحكامِ الله تعالى.
5 وقال تعالى (يا أيُّها الذينَ آمنوُا ادخلُوا في السِّلمِ كافَّةً ولاتتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيطانِ إنَّه لَكُم عدُوُُ مُبِين) البقرة 2.8 ومعنى السِّلم في هذه الآية هو الإسلام، أي ادخُلُوا في جميع الإسلام، وآمنوا بجميع أحكامه، لا كالذين يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض.
6 وقال تعالى (وأَنِ احكُم بينَهُم بما أَنزَلَ اللهُ ولاتتَّبِع أهواءَهم واحذَرهُم أن يَفتِنوُكَ عَن بعضِ ما أَنزَلَ اللهُ إِليكَ، فإِن تَولَّوا فاعلَم أَنَّما يُريدُ اللهُ أَن يُصيبَهُم ببعضِ ذنوبِهِم وإنَّ كثيرًا مِنَ النّاسِ لفاسقُون، أَفَحُكمَ الجاهليِّةِ يَبغُونَ ومَن أَحسَنُ مِنَ اللهِ حُكمًا لِقَومٍ يُوقِنوُن) المائدة 49، 5.
وحكم الجاهلية هو جعل الايمان بما أنزل الله تعالى تبعا للأهواء، لأنّهم يريدون الايمان ببعض ما جاء به محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، والكفر ببعضه الآخر، وقالوا له نؤمن بما جئت به سنة، ونؤمن بما نحن عليه من أمر الجاهلية سنة، ولهذا حذَّر الله نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يتنازل عن أي شيء مما أنزل الله تعالى، قال تعالى (واحذرهم أَن يَفتِنوُكَ عَن بَعضِ ماأَنزَلَ اللهُ إليك) .
7 وقال تعالى (ومَن لم يَحكُم بما أَنزلَ اللهُ فأُولئِك هُمُ الكافرون) المائدة 44، وقال تعالى (ومَن لَم يَحكُم بما أَنزلَ اللهُ فأُولئِك هُمُ الظالِموُن) المائدة 45، وقال تعالى (وَمَن لَم يَحكُم بما أَنزَلَ اللهُ فأُولئِك هُمُ الفاسقُون) المائدة 47
ومقتضى هذه الآيات من تسمية الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى كافرا وظالما وفاسقا، يصدُقُ