وما قاله ابن القيِّم ليس دقيقًا من جهتين:
إحداهما: أنَّ الشافعيَّ في نصِّه الذي ذكر فيه الكَراهة لم يكنْ يتكلَّم عن مسألة نكاح الزَّاني ابنتَه من ماء الزِّنى بل عن مسألة شبيهةٍ بها كما أوضحناه آنفا في القضية الأولى.
والجهة الأخرى: أنَّ سياق كلام الشافعي يدلُّ دلالة واضحة على أنَّ المقصود هو كراهة التنزيه لا التَّحريم، ومن قرائن ذلك: قوله:"وأكْره له في الوَرَع"، فَذِكْرُ الوَرَع إنما هو في التنزيه لا التَّحريم [1] . ومنها: احتجاجُه على الكَراهة بأمر النبيِّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، سودةَ بالاحتِجاب من أخيها، وتعليله ذلك بأنَّه مباحٌ أن تحتَجِب الأختُ من أخيها. ومنها، وهي أجلاها: أنَّه ذَكَرَ أنه إذا جرى عقدُ النِّكاح لم يفسَخْه، وهذا يدل على أنَّ العقد جائزٌ عنده، لأنَّه لو كان حراما لكان فاسدًا واجبَ الفسخ، كما لو تزوَّج الرَّجل ابنتَه من
(1) قال الشافعي، الأم، ج 5، 85: «وإِذا حَلَف الرَّجل ليضْرِبَنَّ عبدَه مائة سَوطٍ فَجَمَعَها فضَرَبَهُ بها: فإِنْ كان يُحِيطُ العِلمَ أَنَّه إذا ضربَهُ بها ماسَّتْه كلُّها فقد بَرَّ، وإِنْ كان يُحِيطُ العِلمَ أَنَّها لا تُماسُّه كلُّها لم يَبَرَّ، وإِنْ كان العِلْمُ مُغَيَّبًا قد تُماسُّه ولا تُماسُّه فَضَرَبَهُ بها ضربَةً لم يَحْنَثْ في الحُكم، ويَحْنَثُ في الوَرَع» . وقال: ج 7، ص 83: «إذا حَلَف الرَّجل أَنْ لا يأكُلَ لحما: حَنِثَ بِلَحمِ الإِبل، والبقر، والغنم، والوُحوش والطَّيرِ كلِّه؛ لأَنَّه كلَّه لحمٌ ليس له اسْمٌ دُونَ اللَّحم، ولا يحْنَثُ في الحكم بِلَحم الحِيتان؛ لأَنَّ اسْمَهُ غَيْرُ اسْمِهِ فالأَغلبُ عليه الحُوتُ، وإِنْ كان يدخُل في اللَّحم، ويَحْنَثُ في الوَرَع به» .