قال إمام الحرمين: «وفيما نقلَه الْمُزَني ما يدلُّ على أنَّ للشافعيِّ قولًا مُطلقا في منع نكاح وَلَدِ الزَّانية في حقِّ الزَّاني إذا غَلب على الظَّنّ أنَّ العُلُوقَ منه. وهذا لم يقْبَلهُ الأصحاب [1] ، ورأَوُا القطعَ بأنَّ النِّكاح لا يَحْرُمُ، والكراهيَّةُ ثابتةٌ» [2] .
وأمَّا توجيه الْمَاوَرْدي كلامَ الْمُزَني بقوله: «فَأَمَّا الْمُزَني فإِنَّه تكلَّمَ على كراهةِ الشَّافعيِّ له، فإِنْ نَسَبَ ذلك إلى التَّحريمِ كان غَلَطًا منه عليه، وإِنْ نَسَبَهُ إلى كراهةِ اختِيَارٍ مع جَوازِه كان مُصِيبا» [3] فغيرُ ظاهر، لأنَّ اعتراضَ الْمُزَني، كما هو واضحٌ في كلامه، مُنْصَبٌّ على قول الشافعي بتحريم ابنةِ الزِّنى على الزَّاني مع إجازته في الوقت نفسه لابن الزِّنى نكاحَ بناتِ الزَّاني، وأنَّ هذا لا يصحُّ في القياس، وليس هو مُنْصَبًّا على معنى الكراهيَّةِ هل هي للتحريم أو التَّنزيه.
والسَّبب الثَّالث: ما ذَكَره ابن تيمية، رحمه الله تعالى، من إنكار كثيرٍ من الشَّافعية صِحَّةَ النَّقل عن الشَّافعي إجازتَهُ نكاحَ الزَّاني ابنتَه من الزِّنى، فقد «سُئِل عن رجلٍ تزوَّجَ ابنَتَهُ من الزِّنى؟ فأَجابَ: لا يجوزُ أَنْ يتزوَّجَ بها عند جُمهور أَئمَّةِ المسلمين ... وتَحريمُ هذا هو قولُ أبي حنيفةَ وأَصحابِه وأَحمدَ وأَصحابِه؛ ومالكٍ وجمهور أَصحابه،
(1) لست أدري لماذا لم يقبلوه، وهو صريح قول الإمام، ثمَّ نسبوا إليه عكسَه تخريجا، ورَوَوْه عنه نصَّا؟!!!
(2) الجويني، نهاية المطلب، ج 15، ص 395.
(3) الماوردي، الحاوي، ج 11، ص 393.