رابعا: يَستدلُّ الشافعيُّ للكراهةِ التي قال بها بأمر النبيِّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، سودةَ، رضي الله عنها، أن تحتجِبَ من أخيها عندما ظَهَرَ شبهُهُ بالزَّاني، فَحَمَل هذا الأمرَ على الاحتياط عند حدوثِ الاشتباه والشَّكِّ، فكذلك يُندب عنده لولد الْمَزنيِّ بها رَضاعةً أو نَسَبًا أن يحتاطَ فلا يتزَّوج من بنات الزَّاني، كما أرشد النبيُّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، سودةَ، رضي الله عنها، أن تحتاطَ فلا تنكشِف على أخيها عندَما ظهر شبهُهُ بالزاني.
خامسا: بعد تقريره أنَّ أمْرَ النبيِّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، سودةَ، رضيَ الله عنها، بالاحتجاب عن أخيها إنَّما كان على سبيل الورع لا الوُجوب، أوضحَ الشافعيُّ أنه من المباح أنْ تحتجِبَ المرأة عن أخيها، وأن لا يرى الأخُ أختَه. وعَليهِ يَسُوغُ تركُ المباح ورعًا عند حُلول الشُّبْهة. وكأنَّه بهذا يريد أن يدفع سؤالا يتوجَّهُ على صرْفِهِ الأمرَ من الوُجوب إلى الورع، وهو: كيف يكون الوَرَعُ مُجَوِّزا منعَ الأخِ رُؤيةَ أُخته؟ أفليس هذا من قطيعة الرَّحِم، وهي حرام؟ وهل يُسَوِّغُ الوَرعُ اقْتِحامَ الحرام؟
وقد خَلَّفَ ما نُقِلَ عن الشافعي، رحمه الله تعالى، في هذه المسألة أَصْداءً متعدِّدةً لدى العلماء من بعده نتناولها في قضايا ثلاث:
القَضِيَّةُ الأولى: عَدَّ بعض العُلَماء، من الشافعية وغيرهم، هذا النقلَ نصًَّا من الشافعي على جواز نكاح الرَّجل ابنتَه من الزِّنى.