العاقل من يعرف الخير من الشرّ، ولكن هو الذي يعرف خير الشَّرين» [1] . وقال الشاعر:
رَضيتُ ببعض الذّلّ خوفَ جميعِه ... كذلك بعضُ الشرّ أهونُ من بعض
ولعلَّ هذا هو سبب ما يلحظه الباحث من اقتضابٍ في الاستدلال للقاعدة عند الفقهاء، فكأنّها من المعلوم عندهم بالضّرورة بحيث لا يحتاج إلى استدلال. وليس من مقصودي هنا الإطناب في ذكر أدلّة هذه القاعدة، ولكني أَودُّ أن أشير إلى أنّها لا تخرج عن ثلاثة أدلَّة كُلِّية:
أحدها: عمومات نصِّية، كقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16) ، ووجه الدلالة أن الآية أمرت بالتقوى قدر الاستطاعة فإذا تعارض فعلان محرمان كالإكراه على شرب الخمر والقتل مثلا، ولم يمكن تجنب أحدهما إلا بارتكاب الأخر كان المستطاع والتقوى هو ارتكاب أخفهما ضررا، لا أكثرهما وكذا قوله تعالى: {اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} (الزمر: 55) . ووجه الدلالة أن المصالح إذا اجتمعت فإنه يفعل أعلاهما وأحسنهما ولو أدى ذلك إلى تفويت ادناهما، فهذا من باب فعل الأحسن المأمور به في الآية.
والثاني: استقراء أدلَّة الشّرع التي تشير إلى استعمال الشّارع مبدأ ارتكاب أخفّ الضّررين، وأعلى المصلحتين في تشريع الأحكام، وهي كثيرةٌ جدًّا [2] ، ويدخل فيها أدلّة الضّرورة والحرج وسدّ الذرائع وفتحها.
والثالث: الإجماع، وقد أشرنا إلى من ذكروه آنفا.
(1) سير أعلام النبلاء للذهبي: (3/ 74) .
(2) يُنظر: معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية: (7/ 509) .