الصفحة 5 من 94

إلا أنه ومن خلال تتبعي لتاريخ الصفة، وقفت على أثرين أشارا إلى أن أهل الصفة كانوا موجودين بعد عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الأول: ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما خرج إلى أهل الصفة، فقال: ألا تهنئوني؟ قالوا: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة غير سببي ونسبي» [1] .

والثاني: ما روي عن هارون الرشيد أنه لما قدم المدينة أخلي له المسجد، فوقف على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى منبره، ثم قال: قفوا بي على أهل الصفة، وكان من أهلها رجل يكنى أبا نصر من جهينة، ذاهب العقل، في غير ما الناس فيه، لا يتكلم حتى يُكَلم، وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان إذا سئل عن شيء أجاب فيه جوابًا حسنًا مغربًا، فلما وقفوا عليهم حُرك أبو نصر، وقيل: هو أمير المؤمنين، فرفع رأسه، وقال: أيها الرجل، إنه ليس بين عباد الله وأمة نبيه، ورعيتك وبين الله خلق غيرك، وإن الله سائلك عنهم، فأعد للمسألة جوابًا، وقد قال عمر بن الخطاب: لو ضاعت سخلة على شاطئ الفرات لخاف عمر أن يسأله الله عنها، فبكى هارون، وقال: يا أبا نصر، إن رعيتي غير رعية عمر، ودهري غير دهر عمر، فقال له: هذا والله غير مغن عنك، فانظر لنفسك، فإنك وعمر تُسألان عما خولكما الله، فدعا هارون بصرة فيها ثلاثمائة دينار، فقال: ادفعوها إلى أبي نصر، فقال أبو نصر: ما أنا إلا رجل من أهل الصفة، فادفعوها إلى فلان، يفرقها عليهم، ويجعلني كرجل منهم [2] .

ولدى التأمل في هذين الأثرين يتبين عدم دلالتهما على المراد.

أما الأثر الأول: فقد روي بروايات مختلفة، تدل على أن لفظ «أهل

(1) ذكره ابن حجر في المطالب العالية 16/ 252 بهذا اللفظ، وقال: هذا منقطع.

(2) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك لابن الجوزي 10/ 10؛ صفة الصفوة 2/ 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت