وفطر الله عليها جميع المخلوقات. وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله علي جميع العباد. وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار. وهي المنشور الذي لا يدخل الجنة إلاّ به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه. وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء، والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسنة- ومن كان آخر كلامه لا إله إلاّ الله دخل الجنة- فحياة الروح بهذه الكلمة فيها فكما أن حياة البدن بوجود الروح فيه، وكما أن من مات علي هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها، فمن عاش علي تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى، وعيشها أطيب عيش. اهـ (الداء والدواء -(صـ / 456 - 458) - طـ /دار عالم الفوائد)
ولما كان العلم بكلمة التوحيد محبوبا إلى الله تعالى في الشرع مطلوبا، سارع كثير من المسلمين ممن أدرك هذه الحقيقة إلى معرفة معناها، وكأن الغاية منها هو العلم بمعناها دون العمل بمقتضاها، والقصد لحقيقتها، واجتناب نواقضها، وهذه الثلاثة الأخيرة: العلم بمعانيها، والقصد لحقيقتها، والعمل بمقتضاها هي مفرق الطريق بين الذين قالوها وهم يعلمون أنه لابد فيها من النفي والإثبات، وبين الذين قالوها وأهملوا ركنيها.
والأمر وما فيه هو أنه لابد لقائل هذه الكلمة من معرفة مااشتملت عليه من نفي العبادة عن سوى الله تعالى، وإثباتها له وحده، فالنفي والإثبات ركناها، وهما ماعرفا في القرآن الكريم بالكفر بالطاغوت مع الإيمان بالله وحده.
قال العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ [1] - رحمه الله: قوله: «من شهد أن لا إله إلا الله» أي: من تكلم بها عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها، باطنا وظاهرا. فلا بد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولهما، كما قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] وقوله: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] .أما النطق بها من غير معرفة بمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه: من نفي الشرك [2] ، وإخلاص القول والعمل، قول القلب واللسان، وعمل
(1) هو العلامة الفقيه عبد الرحمن بن حسن بن الإمام محمد بن عبد الوهاب أحد أبرز علماء نجد، ولد في الدرعية سنة (1196 هـ) ، له مؤلفات جد قيمة من أشهرها كتاب - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد -، توفي رحمه الله بالرياض سنة (1285 هـ) .
(2) تنبيه: هكذا ورد في طبعة دار ابن حزم: - (أما النطق بها من غير معرفة بمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه من نفي الشرك .. -.، وهذا أيضا هو النص الذي ورد في فتح المجيد بتحقيق العلامة الوليد آل الفريان.، وأما طبعة دار البيان بتحقيق العلامة عبد القادر الأرناؤوط فقد ورد النص فيها كما يلي: - أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه: من البراءة من الشرك) .