وقد تقرر في دين الإسلام، وفي كل شريعة من شرائع الله تعالى أن هذا لن يتحقق إلا بإفراد الله تعالى وحده لا شريك له بكل أنواع العبادات، فهو المستحق لها وحده سبحانه خالق البريات، قال تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 14] .
وقال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس: 60 - 62] .
وهذا هو الأصل الأول، و الواجب الأول، والأمر الأول، ووهو الدين القيم، والحبل المتين الذي لأجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب. قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .
وأعظم أنواع العبادة بإطلاق التعبد لله تعالى وحده بشهادة التوحيد العظيمة، شهادة أن لا إله إلا الله، وهي التي أمرنا أن نزداد علما بها إلى أن نلقى الله تبارك وتعالى بها غير مبدلين ولا مغيرين، ولا لحقائقها معطلين قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] .
وقال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] .
وقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] .
فهذه الشهادة العظيمة تجمع أصول الإسلام، وأصول الإيمان، وكليات مسائل التوحيد وفقه الاعتقاد، ويسعد بها سعادة لا وصف لها من علم معناها، وحقق شروطها، وعمل بمقتضاها، واجتنب نواقضها ونواقصها، وكذا كل ما قد يضعفها أو يوهنها. والشقاء كل الشقاء لمن لم يؤمن بها، أو أحبها ولم يعرف معناها ولم يقصد حقيقتها، أو وقع في ناقض من نواقضها. فهي الطريق إلى جنة الخلد، أو عذاب الحريق عياذا بالله.
قال الإمام ابن القيم [1] - رحمه الله: هي كلمة لا إله إلاّ الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة. وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات،
(1) هو العلامة الكبير الغني عن الترجمة والتعريف أبو عبد الله شمس الدين محمد الشهير بابن قيم الجوزية، أحد الرجال الأفذاذ من رجالات الأمة الإسلامية، ولد عام (691 هـ) ، وكان - رحمه الله - نادرة من نوادر أئمة العلم حفظا وعلما وتعليما وخوفا من الله وجهادا، له مصنفات شهيرة بلغت قوة في بيان الحق والضبط. من أشهرها الكتاب النافع - إعلام الموقعين- توفي رحمه الله عام (751 هـ)