[الأنفال: 42] . وفي الطريق الثانية يبقى الناس على باطلهم، ومنهم من يخرج من دين الله مرتدا، وهذا هو الحاصل والمشاهد. وقد أمرنا الله في كتابه بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام الدعوة إلى الله أن نجهر بالحق ونبين للناس كافة دين الله تعالى دون التافتة إلى النتائج من استجابة الناس لهذا وغيره، كما هو في قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود: 12] .
وقال تعالى: {المص. كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ. اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 1 - 3] .
وهنا وقفة مع الأصل الثالث من أصول ملة إبراهيم عليه السلام الذي هو - الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وترك المعبودات الباطلة، والدعوة إلى خلعها بإطلاق -. فهذه الدعوة لابد فيها من أمور ثلاثة، وهذه الأمور مرت بها دعوة إبراهيم عليه السلام، وكان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائر الأنبياء، وهذا يدلك يقينا على اتحاد الأصل كذلك في منهج الدعوة إلى الله تعالى بين الأنبياء كلهم.
• أما الأمر الأول: في الدعوة إلى توحيد الله وترك الشرك، فهو البدء بادئ الأمر بدعوة الأهل والعشيرة والأقارب، مصداقه في قول الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام وأنه بدأ بأبيه وعشيرته بهذه الدعوة المباركة: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 41 - 45] .
وهذا الخبر من الله تعالى لنبيه ولأمته من بعده ليس لمجرد الإخبار فقط، بل هو بقصد الاتباع والتأسي به في مقام الدعوة إلى الله، ومن ينبغي أن يكون أول مدعو، ومما يؤكد هذا الفهم قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ. وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 213 - 216] .
وهذا أمر باجتناب الشرك، وأمر كذلك بالبدء بإنذار العشيرة والأقربين، وأمر بولاء المؤمنين، وبغض للشرك وبراءة من المشركين.
• الأمر الثاني: الانتقال من دعوة الأقارب إلى دعوة القوم، وقومك هم من يليك سواء دربك، أو حيك، أو قريتك، أو مدينتك، وهذا أيضا واضح في دعوة إبرهيم عليه السلام كما بين ربنا تبارك وتعالى هذا بقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ. إِذْ قَالَ