الصفحة 18 من 262

وهذا نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم حرص كل الحرص على إسلام عمه أبي طالب، الذي آواه وأحسن إليه، وقدَّم ما قدَّم، ولكنَّ الله -سبحانه وتعالى- أراد أن يُبيِّن للناس أن القرابة لا تنفع أحدًا، وأن الرابط العظيم بين الناس هو الدين، وأنَّ الهداية بيد الله -سبحانه وتعالى-، نسال الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ وإلا فأن أبا طالب يعلم الحق، ومنعه أن يعتنقه التعصب لما كان عليه آباؤه وأجداده، وهو القائل:

«ولقد علمت بأن دين محمد .. من خير أديان البرية دينًا

لولا الملامة أو حذار مسبة .. لوجدتني سمحًا بذاك مبينًا»

لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، وغيرهما من الكفار؛ فقال له: (( يا عم! قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ) )الكفار حريصون أن يموت على هذه الحال، فلم يقولوا: لا تقلها، خشية أن يقولها ولو حمية؛ بل قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأعاد الكفار؛ فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم ثالثةً؛ فأعاد أولئك؛ فكان آخر كلمة مات عليها: هو على ملة عبد المطلب.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك ) ). انظر إلى أدبه صلى الله عليه وسلم مع ربه؛ فأنزل الله قوله -تبارك وتعالى-: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [1] .

(1) [التوبة: 113] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت