الصفحة 17 من 262

أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [1] .

فإنَّ نوحًا -عليه السلام- لما تبين له أن ابنه قد صار مع المشركين، وأنه لم يعد من أهله الناجين، ولم يعد من أهله المؤمنين، ولم يعد من أهله الذين يجب أن يوالوا، ويجب أن يحبوا؛ لأنه على غير دينه؛ عندئذٍ تبرأ منه؛ فقال: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} .

فالمقصود أن نوحًا -عليه السلام- لما اتضح له أن ولده لم يعد مع المؤمنين، وأنه فارقهم؛ تبرأ منه هذه البراءة الواضحة الصريحة.

• الثانية:

ما قصه الله -تبارك وتعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-؛ قال الله -جلَّ وعلا-: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [2] .

وعد أن يستغفر له قبل أن يتضح أمره، وقبل أن يتيقن أنه سيموت على الكفر؛ ولذلك يتبرأ منه حتى يوم القيامة؛ فقد ثبت في صحيح البخاري أن إبراهيم -عليه السلام- يلقى أباه يوم القيامة وقد شَحُب وجهه واغبر؛ فيقول له: يا أبت! ألم أقل لكم لا تعصني؟ فيقول: الآن لا أعصك! فيقول: ربي إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون؛ فيقول الله -تبارك وتعالى-: انظر إلى ما تحت قدمك، فينظر فإذا بزيخ متلطخ -والزيخ ذكر الضباع- فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار، عندها يتبرأ إبراهيم -عليه السلام-، ويعلم أن الله قد حرَّم الجنة على الكافرين.

(1) [هود: 45 - 47] .

(2) [التوبة: 114] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت