القاعدة هنا أي كل شيء ملغوم، خاصة الأشياء الجميلة التي تجذب النظر، أو الجاذبة لاهتمام شخص يجوب المنطقة، مثل شجرة ظليلة أو بركة ماء صغيرة، أو مدق ترابي قديم.
كان يجب اختراق تل المنطقة وشق طريق خلالها حتى نحقق اتصالا بين مركز أبو الحارث ومركز أبو العباس، وبالتالي يتحقق اتصال ذو قيمة تكتيكية كبيرة بين (بورى خيل) ومناطق حيوية شرقًا وشمالًا مثل رواجى ولاكان ومناطق نوبية مثل (توده شنى) . إذن تكتمل شبكة حيوية بطرق هي الأقصر والأكثر أمنًا في المنطقة. تحدثت مع أبو الحارث في الفكرة، فاستوعبها وتحمس لها، وشرعنا في إجراءات التنفيذ. كان علينا أن نطارد ويصبر ذلك التراكتور الوحيد الذي يخدم المنطقة بأسرها. وهو مزود بسكين خاص لتسوية التربة، وهو ما نحتاج إليه لتمهيد الطريق. وأخيرصا حجزنا دورنا لاستلام التراكتور في يوم محدد.
وكان علينا أن نستكشف الطريق الذي سيسلكه قبل أن يحضر إلينا، فهو ليس كاسحة ألغام، وليس مهندس طرق. لا بد أن نحدد له الطريق المطلوب، والأهم أن نطمئنه أنه خال من الألغام.
كان المشاة القادمون إلينا من مركز أبو الحارث وما جاوره يسيرون على الحافة الصخرية للجبال، متحاشين منطقة «السافانا» .
لا أحد يعرف شيء عن طريقة توزيع الألغام في «السافانا» . نحن إذن أمام خيار واحد لا غير: أن نسير في المنطقة بأنفسنا، نختار الطريق المفترض و «نضمن» خلوه من الألغام!!.
سرت مع أبو الحارث في منطقة «السافانا» عدة مئات من الأمتار، نسبر الأرض بأعيننا، وأحيانًا بقطة من خشب، كان وقتا عصيبًا خاصة وأن كل التكنولوجيا التي نمتلكها لاكتشاف الألغام كانت مجرد قطعتين من الخشب. كتمنا مشاعر التوتر بتصنع اللامبالاة وبالضحكات أحيانًا، حتى وصلنا إلى مدق للمشاة كان يستخدمه مجاهدو المنطقة.
فحمدنا الله بأننا قد أنجزنا أهم فقرة في إعداد الطريق.
ولم نلبث أن أحضرنا التراكتور، ومجموعة من شباب مركز أبو الحارث لمساندته في تلك المهمة التاريخية، ولردم بعض الخناق العميقة التي حفرتها الأمطار والسيول .. وأخيرًا صار لدينا طريقًا عسكريًا جديدًا وانقلابيًا.