لم نعد حقيقة نعرف معنى الفرح، حتى الفتوحات العظيمة تجعلنا نبكي، ونضع جباهنا على الأرض حمدًا لله، ونتذكر الشهداء والمعارك القديمة، التي ذهبت مرارتها وبقيت منها ذكرى شجية خاشعة. في المساحات الشاسعة التي أراها الآن من فوق تلال خطنا الأول، الذي أمشي عليه تحت شمس الصباح بلا قلق، كل شجرة وصخر وقرية وطريق أخذت نصيبها من المعارك والدماء.
كل منها له قائمة الشهداء الخاصة به، والقدماء يعرفونها بالتفصيل. وقفت أنظر إلى الأماكن البعيدة والقريبة وأتذكر شهدائها.
هؤلاء الأحباء الذين رحلوا بتواضع، وبدون أن ينتبهوا هم أنفسهم إلى حقيقة أنهم أبطال!!.
كان اليوم عيد بكل ما في الكلمة من معنى. يتقابل الجميع بالأحضان والتبريكات، والبسمات المرشقة - والذين حولنا من مجموعات جاءوا لزيارتنا وتبادل التهاني بالفتح. وبدأت جلسات تناول الشاي مع الضيوف، مع ما تيسر من بقايا الحلوى أو بسكويت حيث أن إمدادنا بالطعام متوقف منذ مدة ليست بسيطة.
أبناء «حاجي عبد القيوم» هم علية القوم هنا ومن المجاهدين النشطين. الأكبر هو الضابط كمال وهو صديق قديم لي منذ معركة ليجاه عام 1982.
وتحول من جماعة حقاني إلى جماعة جلب الدين حكمتيار. أما شقيقه الأصغر «مصطفى» فيعمل مع حقاني. وكلاهما موضع ثقة من جانبنا وكنا نعتبرهم سندنا الوحيد في المنطقة.
في يوم الفتح الأول قدم لنا كمال غرفته الخاصة وكانت محفورة بشكل رائع في هضبة كبيرة مسطحة إلى الشرق من بل ترصدنا.
قبلناها شاكرين، كي نستأنف فيها فاصل جديد من بلاء عانينا منه لول وآخر مرة في أفغانستان ذلك هو بلاء «القمل» . فقد أصابنا القمل في مغارة الترصد أعلى الجبل بعد يومين من وصولنا. قابلت القمل في البداية باستهتار ندمت عليه فيما بعد. ولم يكن لدينا شيء نستطيع عمله إزاء هذا الوباء، فقد انتشر وتكاثر بسرعة غير عادية وملأ بيضه كل ثنايا الثياب. ويفقس البيض ويكبر بسرعة بفضل دمائنا التي استنزفها القمل، أكثر من العدو الذي يقاتلنا بأحدث الأسلحة.
صديقنا أبو كنعان كان يملك ثيابًا إضافية، لذا فقد تمكن من الاستحمام في منتصف مدة المعركة وحرق ثيابه القديمة ولبس ثياب جديدة.