لما أعْطى رسول الله ما أعطى من تِلكَ العطايا في قريشٍ وفي قبائل العربِ، ولم يكن في الأنصار منها شيءٌ، وجد حيٌ من الأنصار في نفوسهم شيئًا حتى كثُرتْ فيهم القَالَةُ حتى قال قائِلُهم: لقي والله رسولُ الله قومه.
فأتاهم رسول الله - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثُمَّ ذكَّرهُم بفضلِ الله عليهم فقال:"ألم آتكم ضلاَّلا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا الله ورسوله أَمَنُّ وأفضل"ولم ينْسَ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أن يَذكُر فضلهُم عليهِ وعلى الإسلام بعد فضلِ الله تعالى فقال:"أما والله لو شئتم لقُلْتُم فَلَصَدَقْتُم ولَصُدِّقُتم: أتيتنا مُكُذَّبًا فصدَّقناك ومخذولًا فنصرناك وطريدًا فآويناك وعائِلًا فآسيناك". ثمَّ جاء الكلامُ الفاصلُ والحاسِمُ في الدُنيا ومتاعِها فقال:
"أوجدتم عليَّ يا معشر الأنصار في أنفسِكم في لعاعةٍ من الدنيا تألَّفتُ بها قومًا ليُسلِموا ووكَلْتُكُم إلى إسلامكم؟"ثمَّ جلَّى عليه الصلاةُ والسلامُ النتيجةُ التي لا بدَّ أن تكون حاضِرةً دائمًا في ذهنِكَ أيُّها الفارس! وهي أن الأصلَّ أنْ تذهب بالأجرِ والفضلِ، لا بالمغنَمِ والعطاء- مع أنَّه من حقِّك- فقال:
"ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشَّاءِ والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟! فوالذي نفسُ محمدٍ بيده لَمَا تنقلِبونَ به خيرٌ مما يَنقلبون به، ولولا الهجرةُ لكنتُ امرءًا من الأنصار، ولو سَلَكَ الناس شِعبًا وواديًا وسَلَكَتِ الأنصار شعبًا وواديًا لسلكتُ شعب الأنصار وواديها. الأنصارُ شِعار والناس دِثار اللَّهم ارحمِ الأنصار وأبناءِ الأنصار وأنباءِ أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أَخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله- صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قسمًا وحظا ثم انصرف رسول الله - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وتفرقوا [1] "
إنَّ هذه الحكمة في التعامل الراقي مع الأفراد في مثل هذه المواقف الحرجة والظروف الحسَّاسة، هو الكفيل بوحدة الصف ولحمته والمحافظة على كيانه، كما أن الاستبداد والتسلُّط بالرأي وتكميمَ الأفواه وعدمَ الإلتفات إلى النُّفوس المجروحةِ خاصةً إذا كانت من أهل السبق والبلاء والجهد والعطاء؛ لكفيلٌ بالفرقة والانشقاق، وخلق النِّزاعات التي يكون من بعدها الضَّعف ثم الهزيمة ثم الانتكاسة.
(1) زاد المعاد 3/ 474