المسألة الرابعة:
الشفاعة عند أهل السنة مثبتة خلافًا للمعتزلة وخلافًا للخوارج فإن المبتدعة من المعتزلة والخوارج ينفون الشفاعة مطلقا أما أهل السنة فيثبتون الشفاعة بشروطها التي ذكرت قبل قليل، ويثبتون الشفاعة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - وللأولياء وللصالحين وللشهداء وهو الشفاعة شفاعتان:
-خاصة لرسولنا - صلى الله عليه وسلم -.
-عامة.
والشفاعة الخاصة هي ثلاث شفاعات أو أربع:
1 -... شفاعته - صلى الله عليه وسلم - في فصل القضاء بين الخلق وهو المقام المحمود الذي يحمد الخلق كلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه، عندما يقوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويفزع إليه الخلائق كلهم من الأنس والجن ومن جميع البشر يقولون: (يا رسول الله اشفع لنا عند ربك ألا ترى ما نحن فيه؟) فيأتي ربه ويسجد سبتا فيفتح الله عليه المحامد مالا يحسنه في ذلك الوقت فيقول الله له: (يا محمد ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع) فيقول: (يا ربي أمتي أمتي) [1] فيأتي الله بعد ذلك لفصل القضاء.
2 -... شفاعته في فتح أبواب الجنة فإن الجنة لا تفتح حتى يشفع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في فتح أبوابها فإن أهل الجنة يحبسون عند أبواب الجنان حتى يأتي رسولنا - صلى الله عليه وسلم - فيطلب الشفاعة عند الله أن يفتح ِأبواب الجنة فيفتح الله أبواب الجنة فيأمره أن يدخل من بابها الأيمن الله فيدخل معه سبعون ألفا من المؤمنين كلهم آخذٌ بيد صاحبه.
3 -... شفاعته لعمه أبي طالب فإن أبا طالب كافر بالله عز وجل مشرك بالله مات عند أهل السنة مشركًا كافرا وهو خالد مخلد في النار، ولكن جاء في الصحيحين عن النعمان بن البشير وعن العباس بن عبد المطلب أنهما سألا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن عمه: هل نفعتَ أبا طالبٍ بشيءٍ، فإنهُ كان يحوطُكَ ويغضبُ لكَ؟ قال: (هو في ضَحْضاحٍ مِن نارٍ، ولولا أنا لكان في الدَّرَكِ الأسفَلِ مِن النارِ) [2] [3] "ضَحْضاحٍ"أي في أعلاها ولولا أنا لكان في أسفلها فهو الذي يوضع تحت قدميه جمرتان يغلي منها دماغه ويرى أنه أشد أهل النار عذابًا وهو أهونهم، ولا يشفع في غير هذا الرجل من المشركين والكفار فكل مشرك وكافر فلا شفاعة له ولا تناله الشفاعة يوم القيامة.
4 -... الشفاعة الرابعة وقد وقع فيها خلاف .. هل هي خاصة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أو يشاركه غيره فيها والصحيح أنها ليست بخاصة بل تدخل تحت مسمى الشفاعات العامة التي يشترك فيها الرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والشهداء كلهم يشفعون في مثل هذه الشفاعة وهي الرابعة وهي الشفاعة في رفع درجاتٍ في الجنة يكون درجته في أسفل فيرفعه الله عز وجل بشفاعة ولده بشفاعة زوجه إلى درجة أعلى من الدرجة التي كان فيها.
5 -... الشفاعة لأناس دخلوا النار أن يخرجوا منها وهذه عامة لجميع المؤمنين ولجميع من أراد الله إكرامهم بالشفاعة
6 -... في أناس وجبت لهم النار أن لا يدخلوها وهذا يشفع في مثل حافظ القرآن يشفع في أربعين من أهله كل وجبت له النار وأيضًا الشهيد يشفع في سبعين من أهله فيشمل هؤلاء السبعين إما أن يكون داخلا في النار فيخرج منها أو لم يدخلوها، كل هذا محتمل لحديث المقداد -رضي الله تعالى عنه-.
أيضًا شفاعة المؤمنين في رفع الدرجات لأهل الجنة (ويدخل هذا في الشفاعة الرابعة) منهم أيضًا من يدخل في ذلك أصحاب الأعراف أنهم أيضًا ممن وجبت لهم النار فمنعتهم حسناتهم.
هذه الشفاعات ست شفاعات، ثلاثُ منها يشترك فيها المؤمنون وثلاثٌ خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1) سبق تخريجه في الصفحة السابقة
(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب مناقب الأنصار , باب"قصة أبي طالب"برقم: 3883
(3) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان , باب"شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه"برقم: 209