الصفحة 73 من 83

النسفي:"نيابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين بحيث يجب على كافة الأمة الاتباع" [1] ، ويقول ابن خلدون:"خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" [2] ، وأقوال العلماء في هذا بحر خضم نقتصر على ما أوردناه، والذي يلخِّصه قيام الخليفة بالسعي لتحقيق أهداف دولة الإسلام بالوسائل المشروعة.

وقد انعقد إجماع أهل العلم أنَّ العقد -أيُّ عقد- في شريعة الإسلام يكون منعدمًا إذا اعترى الخلل ركنًا من أركانه سواء أكان الخلل في محل العقد كبيع الميتة أو لحم الخنزير أو الزواج بإحدى المحارم، أو الخلل في أحد طرفيه كبيع الصبي غير المميز، وعلى هذا الأساس: فإذا انعقدت الراية لنظام من الأنظمة على أن تكون السيادة للأمة (مبدأ الديمقراطية) مع ما يقتضيه ذلك المبدأ من إلغاء سيادة الشريعة المطهرة، وفصل الدين عن الدولة، والإقرار بالحق في التشريع المطلق لبشر من دون الله، والتحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله، كانت هذه الراية منعدمة بالإجماع، لا تثبت لها ولاية، ولا تجب لها طاعة، ولا يُعتبر وجودها من الأساس، وهذا هو الشأن في كافة النظم الوضعية التي تحكم بلاد الإسلام اليوم.

أرأيت العقد على المحارم أو الإجارة على الزنا، أو بيع الميتة ولحم الخنزير، هل نازع أحد من علماء الأمة قديمًا وحديثًا في إهدار هذا العقد وانعدامه؟ وإذا كان كذلك في هذا العقد الجزئي والذي لا يتجاوز موضوعه أن يكون اجتراءً على مُحرَّم واحد من المحرمات، فما بالك بالعقد على إقصاء الدين كله ونزع سيادته وإسقاط حاكميته من الأساس؟!

إنَّ القضية ليست من جنس العقود التي تحدث أهل العلم عن بطلانها في باب العقود الباطلة فحسب، لأن هذه العقود كانت تدور في فلك انحرافات جزئية من ناحية، ولا تتضمن قطعًا استحلال المعصية أو رد الشرع من ناحية أخرى، لأن هذا الذي يبيع الخمر ليس بالضرورة أن يكون مستحلًا لها، أما الشأن في هذا العقد الجديد فهو فوق ما يتخيل الواصفون؛ لأنه يتضمن أمرين رئيسين:

الأول: أنه عقد على الالتزام بسيادة الدستور والقوانين الوضعية التي تتضمن فيما تتضمن إهدار

(1) العقائد النسفية (صـ 179) .

(2) مقدمة ابن خلدون (صـ 190) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت