هل يتصور عاقل أن يأتي الإسلام -دين الله الحكيم العليم، دين الفطر السليمة- بهذا؟!
آثرت ذكر هذه الأمثلة قبل الحديث عن الأدلة الشرعية حتى لا نسهب فيما لا يُسهَب فيه، وفيما يكون تطويل الحديث فيه مُحقِّرًا للعقل مُستفزًّا للوجدان.
حين تحدث علماء الإسلام سلفًا وخلفًا وأجمعوا على وجوب الخروج على الحاكم الكافر واختلفوا في الخروج على الفاسق [1] أو المبتدع، لم يشيروا البتة بل ولم يَدُر في خلدهم أن يكون ذلك في دولة غير دولة الإسلام.
فلو فُرض أنَّ هناك دولة إسلام قائمة لها أهدافها ووسائلها -التي ذكرناها- تحكِّم الإسلام، ثم طرأ كفر أو فسق أو بدعة على حاكمها، فما حكم الخروج عليه؟
هذا هو مقصدهم وهذا الذي تحدثوا فيه.
أما أن يكون مقصدهم دولة غير دولة الإسلام يحكمها حاكم يدَّعي الإسلام، ويكون كلامهم هذا عليه، أَحْسَبُ من يقول:"هذا مقصدهم"لا يقصد إلا رميهم بالعَته، عافاهم الله من ذلك، بل هم أعقل أمة الإسلام، أعقل أهل الأرض والله حسيبهم.
وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا الأمر جليًّا، وفسر كلامه العلماء الثقات من بعده بما يقطع لسان كل مدَّعٍ على دين الله متحدثٍ فيه بغير علم.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتُهَا قَالَتْ - أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا» [2] .
ويقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» ، قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: «لَا، مَا
(1) انظر خلاف العلماء في الخروج على الحاكم الفاسق في صحيح مسلم بشرح النووي (12/ 229) ، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، هذا مع ملاحظة أن البعض ادعى الإجماع على عدم جواز الخروج.
(2) صحيح مسلم (1298) .