الحمية، وقال:"لا والله لا تستطيع ذلك". فلما رأى ذلك"أسيد بن حضير"منه ورأى ذلك الأوس قام"سعد بن معاذ"رضي الله عنه وكان سيد الأوس وقال:"بل أنت منافق تجادل عن المنافقين". وتلاحى الحيان من الأنصار حتى كادا يتصارعان حتى هدأهما النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا في حضرتهم الشريفة وهو بين ظهرانيهم ومع ذلك انظر كيف حدث بسبب أن المرء أخذته حمية الجاهلية. ولذلك كان من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطي كل إنسان منزلته. فليس من الحكمة في شئ أن تأتي إلى إنسان محترم في قومه ثم تُقَلِّلَ أدبك عليه ولا ترى له منزلة وتحتقره فإن ذلك يجعله يبتعد عن دعوتك وعن دينك ويتألم قومه كلهم عليك. ومن السفه والحمق أن لا ينتبه الإنسان لهذا الأمر، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرأ بعض العقوبات عن أمثال هؤلاء، وكثيرا ما كان الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم، يقولون:"يا رسول الله دعنا نضرب عنق ..". كان عمر يقول:"يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق". فيقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أتريد أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟!". لأنه في الجملة محسوب على المسلمين! صحيح أنه منافق، وهو كذلك عند الله سبحانه وتعالى، ولكن في أحكام الدنيا اسمه مسلم، وقد ورثه أبناءه, وعامله النبي صلى الله عليه وسلم معاملة المسلمين بل وصلى عليه وإن كان نهي على ذلك بعد ذلك. وهذا دليل أن النبي صلى الله عليه إلى أن صلى عليه وهو يعتقده مسلما. لولا ذلك لما صلى عليه. بل وأكثر من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له. ولما جادله عمر رضي الله عنه قال:"اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ". قال:"فأنا سأستغفر فوق السبعين"، وهذا سبحان الله من شدة رأفة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على أمته. لأنه بأبي هو وأمي رأى أن هذا في الجملة من جلسائه ومن أصحابه وممن -يعني- يُحسبون عليه، فأبت نفسه عليه أن يُفَرِّطَ فيه إلى أن جاء:"فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ"