عِلْمًا] [1] ، وذلك لأن العلم سبب لحصول الرحمة والعبودية في قلب العبد، كما أنه سبب لقيام خشية الله تعالى بقلبه، قال تعالى: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ] [2] .
وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن معاوية - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: [مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِهُهُ في الدَّينِ] [3] .
والحديث يدل بمنطوقه على أن تفقه العبد في الدين من علامة إرادة الله تعالى الخير به، ويدل بمفهومه على أن من لم يتفقه في الدين ولم يتعلم أحكام الشريعة فقد حُرِمَ هذا الخير العظيم، ولذلك جاء في رواية: [ومَنْ لم يَتَفَقَه في الدينِ لم يُبالِ اللهُ به] [4] !.
والعلم والجهاد قرينان لا ينفك أحدهما عن الآخر!، ولذلك جمع الله عز وجل بين النفير للجهاد وبين التفقه في الدين، فقال سبحانه: [فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ] [5] ، وكذلك جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين العلم والجهاد كما في الحديث السابق، وتتمته عند مسلم: [من يُرِدِ اللهُ بهِ خَيرًا يُفَقَهُهُ في الدينِ، ولا تزالُ عصابةٌ من المسلمينَ يُقاتلونَ على الحقِ ظاهرينَ على من ناوأهم إلى يومِ القيامةِ] .
والمتأمل في الآية يجد أن الله عز وجل قد جعل النفير للجهاد سببًا للتفقه في الدين، وكذا المتأمل في الحديث، يجد أن شطره الأول يشير إلى التفقه في الدين، وأنه من علامة إرادة الله الخير بالعبد، وأن شطره الآخر يشير إلى الجهاد، وقد عبر عنه بقوله: [يُقاتلونَ على الحقِ] ، فهو ليس كأي قتال، وإنما هو قتال على الحق، ولا يكون ذلك إلا بمعرفة هذا الحق، وسبيل ذلك العلم والفقه، ولذلك ابتدأ الحديث به، ثم ذكر أن هذا الجهاد المبني على ذلك العلم والفقه هو سبيل تحقيق
(1) الكهف: 65.
(2) فاطر: 28.
(3) البخاري (71) ، ومسلم (98/ 1037) .
(4) هذه الرواية ضعيفة كما ذكر ابن عدي في الكامل وغيره، إلا أن معناها صحيح، وهي موافقة لمفهوم الحديث الذي ذكرناه.
(5) التوبة: 122.