وكان لبدء الركود الاقتصادي العالمي في السبعينيات أثران مهان على السلطة الأمريكية. أولا أدى الركود إلى انهيار المذهب التنمية» - على فكرة أن أي أمة بإمكانها أن تلحق بالركب الاقتصادي إذا ما اتبعت الدولة الخطوات اللازمة لذلك - وهو الطرح الإيديولوجي الأساسي لحركات اليسار القديم التي كانت في السلطة آنذاك، واجهت هذه الأنظمة الواحد تلو الآخر فوضى داخلية وهبوطا في مستوى المعيشة واعتمادا متزايدا على الاستدانة من المؤسسات المالية الدولية وتآكل المصداقية الائتمانية، وما بدا في الستينيات أنه مسيرة ناجحة لإنهاء الاستعمار في العالم الثالث على بد الولايات المتحدة - بمعني تقليل حجم الفوضى وتعظيم انتقال السلطة بسلاسة إلى الأنظمة الحاكمة المؤمنة بالمذهب التنموي ولكنها نادرا ما كانت ثورية - أفضى إلى نظام مفكك، وسخط آخذ في الانتشار وتوجهات رايديکالية غير محددة المسار والهدف. وعندما حاولت الولايات المتحدة التدخل فشلت. لقد أرسل الرئيس الأمريکي رونالد ريجان في عام 1983 جنودا إلى لبنان لإعادة النظام، ولكن تم بالفعل إخراج هذه القوات عنوة، فعوض ذلك باجتياحه جرينادا وهي بلد دون جيش. وغزا الرئيس جورج بوش الأب پنا وهي بدورها بلد دون جيش. ولكنه عندما تدخل في الصومال من أجل استعادة النظام أجبرت الولايات المتحدة على الخروج بطريقة كانت مخزية إلى حد ما. ونظرا لأنه لم يكن لدى الولايات المتحدة ما تستطيع عمله فعليا لکي توقف اتجاه انحسار هيمنتها فقد اختارت ببساطة أن تتجاهل هذا الاتجاه - وهي السياسة السائدة منذ انسحابها من فيتنام حتى الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
وبدأ المحافظون الحقيقيون في هذه الأثناء السيطرة على المؤسسات الرئيسية سواء على مستوى الولايات الأمريكية أو المؤسسات المشتركة بين الولايات. وكان هجوم الليبراليين الجدد في الثمانينيات قد تميز بوجود نظامي ثاتشر وريجان وظهور صندوق النقد الدولي لاعبا رئيسيا على الساحة الدولية. وبينما حاولت القوى المحافظة في وقت ما (لمدة أكثر من قرن) أن تبدو في صورة الليبراليين الأكثر حكمة إذ بتيار الوسط الليبرالي يجد نفسه مضطرا إلى الدفع بأنه محافظ على نحو أكثر فاعلية. وكانت برامج المحافظين