عام 1968 لم يدينوا الهيمنة الأمريكية فحسب بل أدانوا التواطؤ السوفيتي مع الولايات المتحدة كما أدانوا بالطاثم عمدوا إلى استخدام أو تطويع لغة عناصر الثورة الثقافية الصينية من حيث تقسيم العالم إلى معسكرين: هما القوتان العظميان في ناحية وبقية العالم في ناحية أخرى.
وأدى الاتهام بالتواطؤ السوفيتي منطقيا إلى اتهام القوى الوطنية المتحالفة بشكل وثيق مع الاتحاد السوفيتي وهو ما كان يعني في أغلب الحالات الأحزاب الشيوعية التقليدية. إلا أن ثوار 1968 وجهوا ضرباتهم كذلك إلى عناصر من اليسار القديم - حركات التحرير الوطنية في العالم الثالث وحركات الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا الغربية وغناصر الصفقة الجديدة - النيو ديل (New Deal) من الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة - متهمين إياهم أيضا بالتواطؤ مع ما أطلق عليه الثوار اسيا عاما هو الإمبريالية الأمريكية.
وكان من شأن الهجوم على التواطؤ السوفيتي مع واشنطن فضلا عن الهجوم على اليسار القديم أن أدى إلى مزيد من إضعاف شرعية ترتيبات بالطا التي صاغت على أساسها الولايات المتحدة النظام العالمي، وأدي أيضا إلى تقويض مركز الليبرالية الوسطية على أنها الإيديولوجية العالمية الشرعية الوحيدة. ورغم أن النتائج السياسية المباشرة لثورات 1968 العالمية كانت ضئيلة فإن عواقبها الجيوسياسية والفكرية كانت هائلة وغير قابلة للتراجع عنها. لقد سقطت ليبرالية الوسط عن عرشها الذي احتلته منذ الثورات الأوروبية في عام 1848، التي مكنتها من اختيار المحافظين مع الراديكاليين في آن واحد. ثم عادت هذه الإيديولوجيات مرة أخرى لتمثل سلسلة حقيقية من الخيارات. وهكذا يصبح المحافظون محافظين مرة أخري ويصبح الراديكاليون راديكاليين من جديد. ولم يختف الليبراليون الوسطيون ولكن تم تحجيمهم، وفي أثناء هذه العملية بات الموقف الإيديولوجي الأمريكي الرسمي - المناهض للفاشية والشيوعية والكولونيالية - واهيا وغير مقنع لشريحة متنامية من سكان العالم. .