وعلى القولين الأولين يكون قد دل على أحدهما لفظا ودل على الآخر لزوما
وإن سلكت طريقة الكوفيين على هذا كان أبلغ وأحسن فإن لفظ الآية يكون قد دل على المشابهة في الأمرين من غير حذف وإلا فيضمر حالكم كحال الذين من قبلكم ونحو ذلك وهو قول من قدره أنتم كالذين من قبلكم ولا يسع هذا المكان بسطا أكثر من هذا فإن الغرض متعلق بغيره
وهذه المشابهة في هؤلاء بإزاء ما وصف الله به المؤمنين من قوله ويطيعون الله ورسوله فان طاعة الله ورسوله تنافي مشابهة الذين من قبلكم قال سبحانه كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا
فالخطاب في قوله كانوا أشد منكم قوة وقوله فاستمتعتم إن كان للمنافقين كان من باب خطاب التلوين والالتفات وهذا انتقال من الغيبة إلى الحضور كما في قوله الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين ثم حصل الانتقال من الخطاب إلى الغيبة في قوله أولئك حبطت أعمالهم وكما في قوله حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها وقوله وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فإن الضمير في قوله أولئك حبطت أعمالهم الأظهر أنه عائد إلى المستمتعين الخائضين من هذه الأمة كقوله فيما بعد ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم وإن كان الخطاب لمجموع الأمة المبعوث إليها فلا يكون الإلتفات إلا في الموضع الثاني
وأما قوله فاستمتعوا بخلاقهم ففي تفسير عبد الرزاق عن معمر عن الحسن في قوله فاستمتعوا بخلاقهم قال بدينهم ويروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه
وروي عن أبي عباس بنصيبهم من الآخرة في الدنيا وقال آخرون بنصيبهم من الدنيا