في سبيل الله يُوَفَّ إليكم وأنتم لا تظلمون،"أي وأعدوا لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية، والبدنية، وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، ومن ذلك الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال الله تعالى: {ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} ، وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته، فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابًا منها؛ كانت مأمورًا بالاستعداد بها والسعي في تحصيلها، حتى أنها إذا لم توجد إلاّ بتعلم الصناعة وجب ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب، وقوله: {ترهبون به عدو الله وعدوكم} ممن تعلمون أنهم أعداؤكم" [1] ، {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم} قيل: بنو قريظة، وقيل: فارس، وقيل: الشياطين التي في الدُّور.
قال ابن كثير رحمه الله:"وقال مقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المنافقون، وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} "، وبهذا تعمُّ الآية كل مُبْدٍ للعداوة ومخفيها؛ فـ"لابد للإسلام من قوةٍ ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان."
وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة؛ أن تؤمِّن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها.
والأمر الثاني: أن ترهب أعداء هذا الدين، فلا يفكروا في الاعتداء على دار الإسلام التي تحميها تلك القوة.
والأمر الثالث: أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء ألا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي وهو ينطلق لتحرير الإنسان كله في الأرض كلها.
والأمر الرابع: أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية، فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها، ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده، ومن ثمّ فالحاكمية له وحده سبحانه" [2] ."
"وقد عقد الإمام العزّ بن عبد السلام فصلين: الأول: في تخويف أهل الحرب وإرهابهم، والثاني: في الاستعداد لقتالهم بما يرهبهم" [3] .
(1) تيسير الكريم الرحمن: 324 - 325 باختصار.
(2) في ظلال القرآن: 3/ 1543.
(3) موسوعة نضرة النعيم: 3829، بتصرف يسير.