والرابع: أنه خبر منسوخ نسخه قول الله تعالى بعد قصة أبي جندل: (يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) فأبطل الله تبارك وتعالى بهذه الآية عهدهم في رد النساء. ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك فأبطل العهد كله ونسخه بقوله تعالى: (برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) وبقوله تعالى في براءة أيضا: (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام .. الآية) فأبطل تعالى كل عهد للمشركين حاشا الذين عاهدوا عند المسجد الحرام وبقوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) وقال تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فأبطل الله تعالى كل عهد ولم يقره؛ ولم يجعل للمشركين إلا القتل أو الإسلام؛ ولأهل الكتاب خاصة إعطاء الجزية وهم صاغرون، وأمن المستجير والرسول حتى يؤدي رسالته ويسمع المستجير كلام الله ثم يردان إلى بلادهما ولا مزيد.
فكل عهد غير هذا فهو باطل منسوخ لا يحل الوفاء به لأنه خلاف شرط الله عز وجل وخلاف أمره.
روينا من طريق البخاري نا عبد الله بن محمد نا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرني الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة وغيره فذكر حديث الحديبية وفيه فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين؛ فقال سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لم نقض الكتاب بعد. قال فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي قال ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز هو ابن حفص بن الأحنف: بل قد أجزناه لك.
فهذا خلاف قولهم كلهم وحديث أبي جندل حجة عليهم كما أوردنا ..