وهذا الفهم السيئ لأقوال الأئمة هو الذي جر على الأمة الويلات وألقاها في أتون الفتن والابتلاءات، وسبب هذا الفهم الخاطئ هو ما أسلفناه من عدم التصور الصحيح لمعنى (الشوكة) ، فقول إمام الحرمين رحمه الله: ( .. فلا بد من أن يستظهر بالقوة والمنة .. ) هي معنى (الشوكة) التي ذكرنا معناها فيما سبق، أي (المعتبرين من كل زمان الذين يحصل بهم مقصود الولاية) أما أن يكون المقصود أن كل من تحصل على مطلق القوة (ويدعو الجماعة إلى بذل الطاعة فإن فعل ذلك فهو الإمام على أهل الوفاق والإتباع، وعلى أهل الشقاق والامتناع") اهـ فهذا قطعا ليس مقصود إمام الحرمين لأن لازم هذا القول هو (الاقتتال الداخلي بين الأمة) أي أن ذلك الفهم فيه دعوة إلى أن كل من (استظهر بالقوة) يدعو الجماعة إلى بذل الطاعة .. فإن فعلت وإلا أخضعها بالقوة! وما لزم عنه باطل فهو باطل، وهذا ما نراه واقعا بل ونرى من يدعو إلى ذلك ويؤصل له (وجوب قتال الجماعات المجاهدة التي امتنعت عن بيعة الخليفة) !!"
-نقل أبو عبد الله عن إمام الحرمين في (غياث الأمم ص 67) قوله رحمه الله في (ص 21) : (والذي يعضد ذلك علمنا على اضطرار أن الغرض من نصب الإمام حفظ الحوزة والاهتمام بمهمات الإسلام ومعظم الأمور الخطيرة لا يقبل الريث والمكث ولو أخر النظر فيه لجر ذلك خللا لا يتلافى وخبلا متفاقما لا يستدرك فاستبان من وضع الإمامة استحالة اشتراط الإجماع في عقدها فهذا المقطوع به من الفصل) اهـ
ثم عقب أبو عبد الله على ذلك بقوله في (ص 22) : (قلت: لاحظ قول(لا يقبل الريث) فيه ولو أخر لجر ذلك خللا، تعلم شدة اضطرار العصر إلى إمام يبايع يجمع الأمة ويقيم الدين ويسوس به الدنيا والتأخير يجر إلى مهالك كبيرة وفرقة عظيمة تقوي صف الكفار وتضعف صف المسلمين) اهـ.
أقول: لاحظتُ قول إمام الحرمين رحمه الله: (لا يقبل الريث) فوجدته يتكلم عن واقع غير الواقع الذي يتكلم عنه أبو عبد الله، هذا الواقع هو المذكور في صدر كلام أبي عبد الله في قوله (ص 21) : (وزيادة على هذا، يقال إن الأقوال السابقة ينبغي أن يعلم أنها قيل في زمن لم يسقط في حكم الإسلام، إذ كان الخلفاء والملوك يتوارثون الحكم واحدا تلو الآخر، إما بالمشورة ولو لم تكن كاملة وإما تغلبا وإما توارثا وجميعهم يحكم بالشرع ولو تخلل معاصي وظلم من بعضهم .. ) اهـ