بعد هذا التمهيد، نأتي إلى مسألة تطبيق الحدود في الواقع الجهادي، وسيكون حديثنا عنه في نقطتين، ويقاس عليها غيرها.
-النقطة الأولى: تطبيق الحدود في حال انعدام السلطان أو ضعفه.
-النقطة الثانية: في حال ما إذا أدى تطبيق حد من الحدود -مع وجود السلطان- إلى مفسدة تربوا على مصلحة إقامته.
أما جواب النقطة الأولى (تطبيق الحدود في حال انعدام السلطان أو ضعفه) فأقول -والعلم عند الله تعالى-:
إن تطبيق الحدود من فروض الكفاية، وشرط وجوبها القدرة، والمطالب بها الإمام، فإذا فقدت القدرة (شرط الوجوب) -التي سيأتي بيان معناها- أو فقد السلطان فإنه يتعين الإتيان بالميسور كما سيأتي في كلام الأئمة رحمهم الله تعالى.
ولبيان ذلك أقول:
لقد تقرر في هذه الشريعة السمحة أن القدرة مناط التكليف، وأنه لا تكليف إلا بمقدور وقد تواترت النصوص كتابا وسنة على إرساء هذا المعنى، كقوله تعالى: {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} . [1]
وقوله الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . [2]
وقوله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} . [3]
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
أما السنة فقد ورد فيها من ذلك الكثير أيضا، كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره (( وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) ). [4]
(1) البقرة: من الآية:286
(2) التغابن: من الآية:16
(3) الطلاق: من الآية:7
(4) صحيح البخاري: (7288) .