الصفحة 7 من 103

والكلام في الفتوى كما تراعى فيه التراجيح فيراعى أيضا فيه حالة الوقت وعمل الناس ومراعاة المصالح وسد المفاسد؛ فالفتوى يتعين على المفتي أن يراعي فيها جميع النواحي فكم توقف كثير من أهل العلم عن الإفتاء فيما يعتقدون لأغراض من جنس ما ذكرته). [1]

ولهذا نجد في كثير من الأحيان كثيرا من الأئمة المشهود لهم بالعلم والورع أثناء تنزيل الأحكام على الوقائع -ومنها نصوص الحدود- ما يصرفون النصوص عن ظاهرها، أو يخصصون النصوص العامة، أو يستثنون بعض الصور والأفراد من القاعد الكلية وذلك إذا أدى تطبيق النص الشرعي وتنزيله على الواقع إلى مشقة زائدة على المعتاد في مثله، أو إلى مفسدة تربوا على مصلحة تطبيقه، ويدرجون الواقعة تحت حكم آخر أو قاعدة أخرى، وهذا نظرا منهم إلى أن مناط الواقعة قد تغير، فأضحى غير صالح ليكون مناطا للحكم في هذه الحال.

نظرا لظروف وملابسات (فقد شرط أو وجود مانع) ، غايتهم من ذلك تحقيق مقصود الشارع من تلك النصوص من جلب مصلحة أو درء مفسدة فيظن من لا علم عنده أنهم خالفوا تلك النصوص ويعلم العالم بالشرع أنهم أعملوها وما أهملوها وأنهم قصدوا بها ما قصده الشارع منها ـ كما سيأتي في كلامهم ـ.

وفي بيان هذه القاعدة يقول العز بن عبد السلام رحمه الله: (اعلم أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل مصالح عاجلة وآجلة تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة أو مفسدة تربى على تلك المصالح، وكذلك شرع لهم السعي في درء مفاسد في الدارين أو في أحدهما تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في اجتنابه مشقة شديدة أو مصلحة تربى على تلك المفاسد، وكل ذلك رحمة بعباده ونظر لهم ورفق، ويعبر عن ذلك كله بما خالف القياس، وذلك جار في العبادات والمعاوضات وسائر التصدقات .. ) . [2]

فلا يصلح -من خلال ما سبق- ولا يليق أن ينظر المرء إلى ظواهر النصوص المتعلقة بالحدود ثم ينزلها على ما يظهر له بادئ الرأي أنه من مناطاتها بغض النظر عن مآلاتها وما قد ينتج عنها من مفاسد قد تساوي أو تربوا على مصالحها، وذلك لما قد يعتريها من موانع تمنع النص الشرعي من الإفضاء إلى المصلحة التي توخاها الشارع من النص.

(1) الأجوبة النافعة عن الأسئلة الواقعة - ص334 - 335.

(2) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/ 161) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت