وعليه(فلا يصلح بحال عند استنباط الأحكام أن تنفصل عن غاياتها، وأن تنفك عن مقاصدها، أو مصالحها، وكل أمر تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو رد، وتكاليف الشريعة راجعة إلى تحقيق مقاصدها في الخلق ولا بد.
وإنما يضيع الدين بين جامد وجاحد، ذاك ينفر الناس بجموده، والآخر يضلهم بجحوده).
ولقد كان هذا الأصل العظيم حاضرا دوما في أذهان أئمتنا رحمهم الله من لدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم إلى أئمة الفقه المشهورين إلى أتباعهم أثناء تقريرهم المسائل وهذا لاعتقادهم الجازم أن الله سبحانه ما شرع حكما من الأحكام إلا لتحقيق مصلحة أو درء مفسدة علمه من علمه وجهله من جهله، وهذا من لوازم اسمه سبحانه (الحكيم) الذي كما أنه لا يخلق شيئا عبثا، فإنه كذلك لا يشرع شيئا عبثا، ومن ظن خلاف ذلك فقد ظن بالله ظن السوء، ولهذا ترى الأئمة رحمهم الله يبحثون ويتلمسون تلك الغايات والمصالح ليجعلوها قبلتهم يدورون معها أنى دارت، وينوطون الأحكام بعللها المنضبطة المفضية إلى تلك (المصالح) أنى وجدت. [1]
وكما يراعى هذا الأصل أثناء استنباط الأحكام من مصادرها يراعى كذلك عند تنزيل الأحكام على مناطاتها.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله موضحا للمنهج الصحيح في التعامل مع الأدلة الشرعية أثناء تنزيلها على الواقع: (ولكن الكلام في المناظرة والمذاكرة والتعلم والتعليم له حال وهو النظر إلى الأدلة والتراجيح بقطع النظر عن الأمور الأخرى.
(1) هذا في الأحكام معقولة المعنى أي أن العقل السليم يدرك عللها التي جعلها الشارع مناطا لأحكامها يوجد الحكم حيث وجدت، وينعدم حيث انعدمت، بخلاف الأحكام غير معقولة المعنى أو الأحكام التعبدية المحضة التي لا يهتدي العقل إلى عللها فهذه تتبع صورها ويوقف عند ما حده الشارع منها، فهي على هذا ليست داخلة في كلامنا، مع التنبيه على أن العبادات المحضة شرعت أيضا لمصالح لكن العقل عاجز عن إدراك تفاصيل تلك المصالح، فعجز العقل عن إدراكها لا يعني انعدامها.